منتديات يا حسين .. الصفحة الرئيسية
منتديات يا حسين .. الصفحة الرئيسية
موقع يا حسين  
موقع يا حسين
الصفحة الرئيسية لموقع يا حسين   قسم الفيديو في موقع يا حسين   قسم القرآن الكريم (تسجيلات صوتية) في موقع يا حسين   قسم اللطميات (تسجيلات صوتية) في موقع يا حسين   قسم مجالس العزاء (تسجيلات صوتية) في موقع يا حسين   قسم الأدعية والزيارات (تسجيلات صوتية) في موقع يا حسين   قسم المدائح الإسلامية (تسجيلات صوتية) في موقع يا حسين   قسم البرامج الشيعية القابلة للتحميل في موقع يا حسين
العودة   منتديات يا حسين > المنبر الحر > المنبر الحر
اسم المستخدم
كلمة المرور
التّسجيل الأسئلة الشائعة قائمة الأعضاء التقويم البحث مواضيع اليوم جعل جميع المنتديات مقروءة

المشاركة في الموضوع
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع طريقة العرض
قديم 10-07-2018, 07:29 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط وفعّال
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 2,025

آخر تواجد: 13-07-2018 07:28 PM

الجنس:

الإقامة:

الحرية قراءة في مرتكزاتها الاسلامية

مفهوم الحرية في الكتاب والسنة



بسم الله الرحمن الرحيم

الشيخ امين ترمس العاملي

مقدمة:

إن الكلام عن الحرية يعدّ في هذه العصور من الأمور التي يصعب على الباحث الإحاطة بها؛ لما لها من مساحة واسعة على الساحة الإنسانيّة بشكل عام، خصوصاً وأن هذه الكلمة لها وقعها الخاص على السامع لها والمدرك لمعناها، حتى أضحت من الكلمات التي يأنس بها عامة الناس، وتدغدغ أحاسيسهم، وتتلاعب بمشاعرهم وعواطفهم، ويرفعها شعاراً كلّ من يريد تغييراً أو إصلاحاً في أي مجتمع كان، ويفخر بها كل من تنسب إليه من أصحاب الفكر والمعرفة.
إن الأديان السماوية ـ وخصوصاً الإسلام منها ـ كان هدفها الأول تحقيق السعادة للناس والأخذ بأيديهم نحو بر الأمان، قال تعالى:﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَ أَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَ الْميزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَ أَنْزَلْنَا الْحَديدَ فيهِ بَأْسٌ شَديدٌ وَ مَنافِعُ لِلنَّاسِ وَ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَ رُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزيزٌ﴾ الحديد: 25



9



وبما أن الإسلام دين ودولة، كان لا بدّ من وضع الأنظمة وسنّ القوانين لتوصل الإنسان إلى السعادة. وإذا ما أُريد لأي تشريع أن يكون عادلاً، فلا بد وأن يكون منبثقاً عن الحرية، وإلا أخطأ هدفه، وفَقَدَ غايته.

ثم إن الحرية في المفهوم الإسلامي تارة تطلق ويراد بها معنى مقابل العبودية، وأخرى يراد بها الاختيار والقبول والرضا، فيقال: فلان حرٌّ في تصرفاته، أي غير مجبر أو مكره، وقد تطلق ويراد بها غير ما ذُكر. وكيف كان، فإن الإسلام جاء لرفع القيود والأغلال عن الناس التي هي نتاج فعل الظالمين، قال تعالى: ﴿الَّذينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ الْأَغْلالَ الَّتي‏ كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذينَ آمَنُوا بِهِ وَ عَزَّرُوهُ وَ نَصَرُوهُ وَ اتَّبَعُوا النُّورَ الَّذي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون﴾ الاعراف:157

ومن هنا كانت المجتمعات ترزح تحت نير عادات خرافية وممارسات وهمية أثقلت كاهل البشرية ومنعتها من التقدم والتطور، حتى سطعت شمس الإسلام على البسيطة، فدعا، بل عمل على التحرّر من هذه التقاليد ونبذها وراء ظهورهم، وأمر باتّباع صوت العقل، ونداء الفكر النابعين من الفطرة السليمة، وقد ورد في القرآن الكريم ما يناهز التسعمائة آية تدعو إلى النظر والتأمل وتحكيم العقل.



10



عودٌ على بدء

إن كلمة الحرية لم ترد في القرآن الكريم، وإنما وردت مرادفاتها ومشتقّاتها كحرّ، وتحرير، ومحرر، وعتق، وما شابه ذلك.

وأمّا الآيات التي وردت في القرآن الكريم، ويمكن الاستدلال بها على الحرية في المفهوم الإسلامي، فيمكن تقسيمها إلى عدة مجموعات.

المجموعة الأولى: الآيات التي تدل على حرية الاعتقاد وأن الناس لا يجبرون على اعتناق أي عقيدة، ولا يُكرهون على اتخاذ الدين، وهي آيات عديدة أبرزها

1ـ ﴿ لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ فقد استَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى‏ لاَ انْفِصامَ لَها وَ اللَّهُ سَميعٌ عَليمٌ ﴾ البقرة ٢٥٦
2- ﴿ وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَميعاً أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنين ﴾ ‏يونس ٩٩
3ـ ﴿ قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى‏ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَ آتاني‏ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَ نُلْزِمُكُمُوها وَ أَنْتُمْ لَها كارِهُون َ﴾ هود ٢٨
4ـ ﴿ قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ وَ لا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ وَ لا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ وَ لا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ لَكُمْ دينُكُمْ وَ لِيَ دينِ ﴾ الكافرون 1 ـ ٦
5ـ ﴿ قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ ديني‏ فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ



11



فالْخاسِرينَ الَّذينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَ أَهْليهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبين﴾ الزمر : 14 ـ ١٥

6ـ ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وَ إِنْ يَسْتَغيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَ ساءَتْ مُرْتَفَقاً﴾ الكهف : ٢٩

المجموعة الثانية: الآيات التي تدلّ على أن الإنسان حرٌّ في اختياره، ثم عليه تقع مسؤولية هذا الاختيار، ويتحمّل جميع تبعات قراراته . والمحاسبة من قبل الله تعالى يوم القيامة للخلْق ستكون على أساس ما منحهم من القدرة على الاختيار بين الفعل والترك، وهذا ما يصطلح عليه بالحرية التشريعية، وبالتالي فإن الناس مسؤولون عن أفعالهم، ومحاسبون عما يصدر عنهم، فتكون الحرية هي الأساس في اختيار الإنسان، والاختيار هو السبب في المسؤولية والجزاء .

وبعبارة أخرى: الحرية في المفهوم الإسلامي لا تنفكّ عن الالتزام ولا تفارقها المسؤولية، بل يصح أن يقال : لا اختيار بلا مسؤولية، ولا مسؤولية بلا اختيار، أي بلا حرية . وهذا يقال أيضاً حتى في الفضائل الأخلاقية، فإنها تحتاج في تحقق فضيلتها إلى إرادة واختيار، فالتقوى، والصدق، والعفّة، والأمانة، وأمثالها لا تعدّ فضيلة إلا إذا اختارها الإنسان بنفسه من غير إجبار أو إكراه .



12



ومن هنا بحث علماء العقيدة الإسلامية هذا الترابط والالتزام بين الحرية والمسؤولية بحثاً مستفيضاً، وأثبتوا على أساسه رؤيتهم لتفسير العمل والسلوك الإنساني، ومدى ارتباطه بعدل الله تعالى، وخلصوا إلى أن الذي لا يملك اختياراً كالمضطر والمجبر والمكره لا يحاسب أمام الله تبارك وتعالى .

ومن الآيات التي تدل على ذلك أي على أنه حر ومسؤول قوله تعالى :

1ـ ﴿ مَنِ اهْتَدى‏ فَإِنَّما يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَ مَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏ وَ ما كُنَّا مُعَذِّبينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ الإسراء : ١٥
2ـ ﴿ وَ أَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى‏ فَإِنَّما يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَ مَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرين﴾‏ النمل : ٩٢
3ـ ﴿ قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى‏ نَفْسي‏ وَ إِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحي‏ إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَميعٌ قَريب ﴾ ‏سبأ : ٥٠
4ـ ﴿ قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وَ ما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفيظ ﴾ الأنعام : ١٠٤
5ـ ﴿ يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَميعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُون َ﴾ المائدة : ١٠٥
6ـ ﴿ قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدى‏ فَإِنَّما يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَ مَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَ ما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكيلٍ ﴾ يونس : 108
7ـ ﴿ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَ إِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ في‏ شِقاقٍ فَسَيَكْفيكَهُمُ اللَّهُ وَ هُوَ السَّميعُ الْعَليم ﴾ ‏البقرة : ١٣٧



13



8 ـ ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَ مَنِ اتَّبَعَنِ وَ قُلْ لِلَّذينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَ الْأُمِّيِّينَ أَ أَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَ إِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَ اللَّهُ بَصيرٌ بِالْعِباد َ﴾ آل عمران: ٢٠

9ـ ﴿قُلْ أَ تُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ وَ هُوَ رَبُّنا وَ رَبُّكُمْ وَ لَنا أَعْمالُنا وَ لَكُمْ أَعْمالُكُمْ وَ نَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ ‏البقرة: ١٣٩

10ـ ﴿إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ نَذيراً لِلْبَشَرِ لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهينَةَ﴾ المدثر: 35 ـ ٣٨

11ـ ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَ إِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَ لِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ لِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبيراَ﴾ الإسراء: ٧

12ـ ﴿ قُلْ أَطيعُوا اللَّهَ وَ أَطيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَ عَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ وَ إِنْ تُطيعُوهُ تَهْتَدُوا وَ ما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبينَُ﴾ النور: ٥٤

المجموعة الثالثة: الآيات التي أشارت إلى اختلاف الناس في الآراء، وأن الله تعالى لم يخلقهم لكي يجبرهم على رأي واحد، وإنما الاختلاف بين الناس هو في طبيعتهم، والله بعث الأنبياء والرسل وأنزل الكتب حتى يحكموا بينهم فيما اختلفوا فيه، ومن هذه الآيات:

1ـ ﴿وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَ لا يَزالُونَ مُخْتَلِفينََ﴾ هود: ١١٨



14



2ـ ﴿وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فيهِ وَ لَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَ إِنَّهُمْ لَفي‏ شَكٍّ مِنْهُ مُريب﴾ هود : ١١٠ والآية نفسها وردت في سورة فصّلت الآية 45 .
3ـ ﴿ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَ رَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَ آتَيْنا عيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَ أَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَ لكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَ مِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَ لكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُريدُ﴾ البقرة : ٢٥٣
4ـ ﴿كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرينَ وَ مُنْذِرينَ وَ أَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فيمَا اخْتَلَفُوا فيهِ وَ مَا اخْتَلَفَ فيهِ إِلاَّ الَّذينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَ اللَّهُ يَهْدي مَنْ يَشاءُ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقيمٍ﴾البقرة : ٢١٣
5- ﴿وَ ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فيهِ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُون﴾ ‏النحل : ٦٤
6ـ ﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَ مُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَ لكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ في‏ ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَميعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فيهِ تَخْتَلِفُون﴾ ‏المائدة : ٤٨



15



7ـ ﴿ وَ لا تَكُونُوا كَالَّتي‏ نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى‏ مِنْ أُمَّةٍ إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَ لَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فيهِ تَخْتَلِفُونَ وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَ لكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدي مَنْ يَشاءُ وَ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُون﴾ ‏النحل : 92 ـ ٩٣

والحرية في المفهوم الإسلامي ووفق المعايير الإسلامية حرية مقيدة بجملة قيود، انطلاقاً من الخلفية العَقَديّة التي يتبناها المسلم :

وأقول : هي حرية مقيدة : : : نعم، مقيدة؛ لأن الحرية المطلقة تعني الفوضى المطلقة والفساد المطلق، ولا يقبل بها عاقل متدبّر.

وفي الوقت الذي دعا الإسلام فيه إلى الحرية والتحرّر أقرّ العبودية لله تعالى وحده لا شريك له، واعتبرها تحرراً واقعياً من كل أنواع الخضوع لغير الله تبارك وتعالى، بل اعتبر الإسلام أن عبادة غير الله تعالى والخضوع له دليل على الجهل وعدم إعمال العقل، فالحرية في نظر الإسلام تبدأ من العبودية المخلصة لله تعالى، لتنتهي إلى التحرر الكامل، بينما في نظر غيره تبدأ بالتحرر لتنتهي إلى العبودية المذلّة، قال تعالى : ﴿قالَ أَ فَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَ لا يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَكُمْ وَ لِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ﴾ الأنبياء : 66 ـ 67

وانطلاقاً من هنا شرّع الله تعالى الأحكام بواجباتها ومحرّماتها ورغّب المكلفين بالالتزام بقوانين الشريعة والتقيّد بها، قال تعالى :

﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْري مِنْ تَحْتِهَا



16



الْأَنْهارُ خالِدينَ فيها وَ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظيم﴾‏ النساء :13

وفي حال المخالفة والعصيان ـ والإنسان قادر على ذلك بمقتضى الحرية التكوينية الممنوحة له والمخلوقة فيه ـ فإنه حينئذٍ يتحمل كامل المسؤولية، وعليه تبعات ذلك في الدنيا والآخرة، قال تعالى : ﴿مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَ ما رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبيد﴾ِ فصلت :46

وفي آية أخرى : ﴿وَ كُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ في‏ عُنُقِهِ وَ نُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى‏ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسيباً مَنِ اهْتَدى‏ فَإِنَّما يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَ مَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏ وَ ما كُنَّا مُعَذِّبينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ﴾الإسراء : 13 ـ 14 ـ ١٥

ومن هنا فإن العقل لا يسمح للإنسان بأن يقبل رأياً بخصوص المسائل العَقَديّة، إذا لم يكن هذا الرأي ثابتاً بالدليل والحجّة، وهذا مسلّم به؛ لأن الأصول العَقْديّة لا بد من العلم بها، والتقليد لا يكسبها علماً : وهل يُعقل أن يبني الإنسان كل نشاطاته الفردية والاجتماعية على أساس عقيدة لا يَعرف صحتها من بطلانها، وإلى أيّ حدّ هي مطابقة للواقع؟!

ورأي الإسلام في هذه المسألة ـ أي التقليد في أصول العقائد ـ لا يختلف عن رأي العقل، فإن الإسلام نادى صراحة وبشكل واضح بحرمة التقليد في أصول العقائد، وطالب الناس وشدّد عليهم بأن يحققوا في المسائل العَقْديّة، ولا يقبلوا أي عقيدة إذا لم تكن مبنية على أساس الدليل والبرهان والعلم، ومما ورد في القرآن الكريم حول هذه المسألة



17



قوله تعالى:

﴿ وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا في‏ أَصْحابِ السَّعير﴾ الملك: ١٠

بل ذمّ الله تعالى اتّباع غير العلم، يقول تعالى: ﴿ سَيَقُولُ الَّذينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا وَ لا آباؤُنا وَ لا حَرَّمْنا مِنْ شَيْ‏ءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُون﴾ ‏الأنعام: ١٤٨

ويقول في آية أخرى: ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلا﴾الإسراء: ٣٦

وقد ورد في الأحاديث الشريفة منع صريح عن تبعية الفرد للآخرين كيفما كان، ومن دون علم أو حجّة، فعن الإمام الصادق عليه السلام في وصيته لأحد أصحابه قال: "لا تكن إمّعة" ثم أردف موضحاً: " أنا مع الناس وأنا كواحد من الناس"1 ، أي لا تقلّد الناس وتقول ما يقولون وتفعل ما يفعلون.

ومما روي أيضاً عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: "من دخل في هذا الدين بالرجال أخرجه منه الرجال كما أدخلوه فيه، ومن دخل فيه بالكتاب والسنّة زالت الجبال قبل أن يزول"2.

وهذا نهي صريح من الإمام عليه السلام عن اتّباع الأشخاص والانسياق خلفهم بلا دليل، وفيه دعوةٌ لاتباع الكتاب والسنة لأنهما يشتملان على البرهان والحجّة.



18



ثم في هذا الحديث الشريف إشارة مهمة، وهي أنه من أخذ دينه من الرجال كان دينه مرهوناً بهم، فقد يتغيّرون، فيتغيّر دينه تبعاً لهم، وأما إذا بنى دينه على الكتاب والسنة، فإنهما ثابتان لا يتغيّران، وهذا الأمر لا يحتاج إلى مزيد بيان, لأن الوقائع على الأرض أكّدت ذلك قديماً وحديثاً.

وكم كان توصيف أمير المؤمنين عليه السلام رائعاً عندما خاطب كميل بن زياد النخعي بقوله: "الناس ثلاثة: عالم ربّاني، ومتعلّم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق"3.

ثم إن هذه الدعوة إلى رفض التقليد واتباع العلم وإعمال العقل، لا تؤتي ثمارها وتظهر فوائدها إلا في أجواء من الحرية والرفق واللين، لأن الذي يُحاصر فكرياً ويُقمع ويُكبّل بقيود الاستبداد لا يمكنه أن يهتدي إلى مدارج الكمال، أو أن يعطي البشرية طاقاته الفكرية الكامنة في داخله.

إن الإسلام أعطى الفرد حرية الفكر بشكل مطلق، حتى يُعْمِلَ هذا العقل ويختار طريقه الصحيح الموصل إلى السعادة، ولم يعطه حرية العقيدة كيفما كان، وهذا القيد ضروري, لأن حرية الفكر تقود الإنسان نحو الاعتقاد القائم على أساس الدليل والبرهان، بينما حرية العقيدة تؤدي ـ بل أدّت إلى ذلك في العديد من المجتمعات القديمة والحديثة ـ إلى اعتقاد باطل وتقليد خاطئ، واتباع عاطفي للهوى والغرائز, فلذا لا




19



يحق له اختيار العقائد الباطلة والقائمة على أساس الوهم والتعصّب والخرافة، لأن في ذلك مخالفةً صريحةً للعقل .

ومن هنا رفض الإسلام رفضاً قاطعاً كل ما يقوم على أساس التقليد والعادة واتباع الآخرين، قال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهيمَ إِذْ قالَ لِأَبيهِ وَ قَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفينَ قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُون﴾ الشعراء: 69 ـ ٧٤ .

وقال في آية أخرى: ﴿وَ إِذا قيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَ لَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَ لا يَهْتَدُون﴾‏ البقرة: ١٧٠ .

وما كل ذلك إلا لأن العقائد التي لا تقوم على أسس فكرية تعد استعباداً وأسراً، ولا تتماشى مع حرية الفكر، فلذا دعا الإسلام إلى محاربتها واجتثاثها، واعتبر ذلك جهاداً على طريق تحرير الإنسان .

وأما من لم تتضح له المحجّة، وإن قرعت سمعه الحجّة، فإنه يتحمّل كامل المسؤولية على اختياره، قال تعالى: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَ هُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى‏ وَ الرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَ لَوْ تَواعَدْتُمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الْميعادِ وَ لكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى‏ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ إِنَّ اللَّهَ لَسَميعٌ عَليم﴾ ‏الأنفال: ٤٢

وبناءً على ما تقدّم، فإن الإسلام لم يتخوّف من الحوار الفكري المبتنى على أسس علمية صحيحة، حتى لو كان هذا الحوار يطاول أخطر المسائل وأكثرها حساسية على مستوى العقيدة، بل لقد دعا الإسلام



20



بصوت عال إلى طرح المسائل العلمية بالأسلوب الهادئ الرصين بعيداً عن التشنّج والعصبية، قال تعالى :﴿ ادْعُ إِلى‏ سَبيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جادِلْهُمْ بِالَّتي‏ هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبيلِهِ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدين﴾ ‏النحل : ١٢٥

﴿وَ لا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاَّ بِالَّتي‏ هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَ قُولُوا آمَنَّا بِالَّذي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَ أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَ إِلهُنا وَ إِلهُكُمْ واحِدٌ وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُون﴾ ‏العنكبوت : ٤٦

وعندما تفشل جميع الأساليب من حوار ومجادلة، وكلمة طيبة، وغير ذلك من الطرق المؤدّية إلى اتباع العقل، فلن يقف الإسلام حينئذٍ مكتوف الأيدي يرى الضلال والفساد ينتشر في المجتمعات ولا يتدخّل، بل من الضروري وبمقتضى الحكمة، والعدل، والرحمة، واللطف الإلهي أن يتدخّل الإسلام لرفع الفساد وإزالة أسبابه من المجتمعات، ولو عن طريق استخدام القوة إنْ أمكن كآخر وسيلة لرفع الظلم عن الناس . ولا أعني باستخدام القوة هنا أن الإسلام يفرض رأيه وعقيدته على الناس بالإكراه والإجبار، وإلا يكون الإسلام قد رفع عقيدة بالقوة ليفرض أخرى بالأسلوب نفسه، وإنما أقصد أن الإسلام يرفع الموانع، ويحطّم القيود ويحرر العقل ويجعله طليقاً حتى تتاح له الفرصة للتفكير بحرية لاختيار الطريق الصحيح الذي يوصله إلى السعادة .

ومن هنا يمكننا فهم فريضتي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على أساس أنهما ضمانتان للمجتمع من أيّ تفسّخ أو انحلال . وكمثال



21



على ذلك أذكر حديثاً واحداً ليتبيّن لنا ما أرمي إليه، فقد رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمأنه قال: "مَثَلُ الفاسق في القوم، كمثل قوم ركبوا سفينة فاقتسموها، فصار لكل إنسان منها نصيب، فأخذ رجل منهم فأساً، فجعل ينقر في موضعه، وقال له أصحابه: أي شيء تصنع، تريد أن تغرق وتغرقنا؟

قال: هو مكاني. فإن أخذوا على يده نجوا ونجا، وإن تركوه غرق وغرقوا"4.

ويمكن أن نلمس هذا بشكل واضح مما جرى مع الأنبياء عليهم السلام، فإبراهيم عليه السلام بعد أن استنفد جميع الوسائل السلمية عمد إلى تحطيم الأصنام، ووضع القوم أمام واقع لا يُعذر أحدهم فيه إذا لم يفكر بعقله بعد أن أزال من أمامهم الموانع ورفع الحجب، قال تعالى على لسان النبي إبراهيم عليه السلام وهو يخاطب القوم: ﴿أَ فَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَ لا يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَكُمْ وَ لِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ﴾ الأنبياء: 66 ـ ٦٧
وكذلك فعل نبي الله موسى عليه السلام عندما انحرف بعض قومه وعبدوا العجل، فما كان أمام النبي موسى عليه السلام إلا أن ألقى العجل في النار.

ولنا في سيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خير مثال ودليل، فبعد عدة سنوات من بعثته الشريفة، وإقامة دولة الإسلام، لم يتعامل مع أهل الكتاب كما



22



تعامل مع المشركين في مكة، ففي الوقت الذي سمح فيه لأهل الكتاب من اليهود والمسيحيين بممارسة عقيدتهم وطقوسهم، لم يسمح للمشركين بإبقاء أصنامهم في مكة؛ لذا أمر بتحطيمها، بل حطّم قسماً منها بنفسه الشريفة في أوّل فرصة سمحت له بذلك.

وهذا الأسلوب الشرعي هو أسلوب عقلي يعمل عليه العقلاء، فإن العقل لا يقبل ببقاء مريض جسماني فيه مرض معدٍ وقاتل ينتشر بين الناس ويقضي على المجتمع من دون أن يحرّك ساكناً، فكيف إذا كان المريض مريضاً روحياً وهو أكثر خطراً وأشدّ فتكاً في المجتمعات من سابقه؟

وبما أن الإنسان يمتلك قوة الفكر التي منحها الله تعالى له، فإنه يستطيع من خلالها دراسة القضايا، ثم الاختيار والانتخاب على أساس الحجة والدليل.

وأما في الأحاديث الشريفة، فقد وردت هذه الكلمة "الحرية" وبعض مشتقاتها، ولكن في عدد قليل نسبة إلى سائر الأحاديث، وأما مرادفاتها فهي كثيرة إلى حدّ ما.

فعن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: "خمس خصال من لم تكن فيه خصلة منها، فليس فيه كثيرُ مستمتع، أوّلها: الوفاء، والثانية: التدبّر، والثالثة: الحياء، والرابعة: حسن الخلق، والخامسة: وهي تجمع هذه الخصال الحرية "5.



23



وعن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في وصيته لولده الحسن عليه السلام أنه قال: "...ولا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً"6.

وليس المراد بالحرية هنا مقابل الرقية والملكية للآخرين؛ لأن هذا الأمر خارج عن قدرة الفرد في حال كونه عبداً، ولا أن الإمام يدعو العبيد للتمرد على مالكيهم، وإنما المراد: أنك حر في أصل وجودك وخلقتك، وأنك حر في مقابل سائر الخلق، فلا تتنازل عنها للآخرين، ولا تبحث عنها عندهم.

وعنه عليه السلام أنه قال: "إن قوماً عبدوا الله رغبةً، فتلك عبادة التجار، وإن قوماً عبدوا الله رهبة، فتلك عبادة العبيد، وإن قوماً عبدوا الله شكراً، فتلك عبادة الأحرار"7.

وفي هذا الحديث جمع أمير المؤمنين عليه السلام بشكل واضح بين العبودية والحرية، معتبراً أن العبادة الحقيقية هي التي تُجرّد من المصلحة النفعية من طمع وخوف.

وعنه عليه السلام أنه قال: "الحرية منزّهة من الغل والمكر"8.

وقال أيضاً: "من قضى ما أسلف من الإحسان، فهو كامل الحرية"9.



24



وعنه عليه السلام أيضاً: "من ترك الشهوات كان حراً"10.

وعن الإمام الحسين عليه السلام أنه قال يوم العاشر من محرم على أرض كربلاء، وهو يخاطب الذين احتشدوا لحربه: "ويْحَكم يا شيعة آل أبي سفيان، إنْ لم يكن لكم دينٌ، وكنتم لا تخافون المعاد، فكونوا أحراراً في دنياكم هذه"11 .
وهذه دعوة صريحة من الإمام الحسين عليه السلام للمناوئين له إلى أن يكونوا ملتزمين بالقيم الإنسانية والمعايير الأخلاقية حتى لو لم يلتزموا بأي دين.

وعن أبي الحسن الحذّاء، قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام، فسألني رجلٌ ما فعل غريمك؟ قلت: ذاك ابن الفاعلة، فنظر إليّ أبو عبد الله عليه السلام نظراً شديداً. قال: قلت: جُعلت فداك إنه مجوسي، أمه أخته، فقال: أوليس ذلك في دينهم نكاحاً؟!12 .

والإمام الصادق عليه السلام في هذا الحديث يعترض على صاحبه؛ لأنه لم يحترم ما هو في دين واعتقاد الآخرين وإن كان هذا الدين والاعتقاد لا يُقبل عندنا.

وعن الإمام علي عليه السلام أنه قال: "أيها الناس إنّ آدم لم يلد عبداً ولا أَمَةً، وإن الناس كلهم أحرار"13



25



هذا إلى غير ذلك من الأحاديث التي وردت بهذا المعنى.

ومن أراد المزيد في هذا المجال، فليقف على كلمات الإمام علي عليه السلام، خصوصاً في العهد الذي كتبه إلى مالك الأشتر حين ولاّه مصر، وكذلك وصية الإمام الكاظم عليه السلام إلى هشام بن الحكم حول العقل وأهمية دوره.14



26




هوامش



1- معاني الأخبار للشيخ الصدوق، ص: 266.
2- كتاب الغيبة للنعماني، ص: 22.
3- نهج البلاغة، قسم قصار الحكم، رقم 147.
4- تفسير الثعالبي: ج 3، ص: 123.
5- كتاب الخصال للشيخ الصدوق، ص: 284، باب الخمس، ح 33.
6- نهج البلاغة، الكتاب 31.
7- المصدر نفسه، قصار الحكم، رقم 237.
8- غرر الحكم، رقم 1485.
9- المصدر نفسه، رقم 8721.
10- تحف العقول، ص: 99.
11-مقتل الحسين عليه السلامللخوارزمي، ج2، ص: 33، واللهوف في قتلى الطفوف لابن طاووس، ص: 119.
12- الكافي للشيخ الكليني، ج 7، ص: 240، كتاب الحدود باب 47، ح3.
13- المصدر نفسه، ج8، ص: 69، ح 26.
14- المصدر نفسه، ج1، ص: 13، كتاب العقل والجهل، الباب الأول، ح12.








يتبع

الرد مع إقتباس
قديم 10-07-2018, 07:31 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط وفعّال
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 2,025

آخر تواجد: 13-07-2018 07:28 PM

الجنس:

الإقامة:

المباني الفقهية للحرية الإسلامية



الشيخ ابراهيم بدوي

تمهيد

لا ريب أن الحرية أمر فطري مستودع في طبيعة البشر، فهم يشعرون في قرارة أنفسهم بأنهم أحرار، في أفعالهم وأقوالهم ومواقفهم، ولذا تراهم يتغنون بذلك في أشعارهم وخطبهم، ويفتخرون به في حروبهم وبطولاتهم.

وقد جاء الإسلام، وهو الدين الحنيف الذي يراعي الفطرة الإنسانية في كل تشريعاته، فلا يخالفها في شيء، وإنما يعمل على تنظيمها، وتوجيهها، جاء ليؤكد هذه الحرية وصوابية وأهمية شعور المرء بأنه حر، له أن يفعل، وله أن لا يفعل، بل بنى على ذلك واحداً من أركان الدين، وهو مبدأ الثواب والعقاب الذي لا معنى له بدون حرية الإرادة، بل ذهب الإسلام أبعد من ذلك حين اعتبر أن الشعور بالحرية تهذيب سلوكي مؤثر في كيفية التعامل مع النفس، ومع الآخر، فمثَّل بذلك ثورة قيمية لم تعرفها الحضارة البشرية من قبل، واستطاع أن يبلغ الآفاق مع تعدد الملل والنحل الداخلة فيه.



27



ثم إن الإسلام بنى الحرية الإنسانية انطلاقاً من عبودية الإنسان لله تعالى، وهذا ما يجعله متحرراً من عبودية كل ما سواه، وفي مختلف مجالات حياته، بخلاف الفكر الوضعي الذي بناها انطلاقاً من تحرر الإنسان من عبوديته لله تعالى، ما جعله عبداً لكل ما سواه كالمادة والهوى.

ويمكننا أن نطمئن إلى أن هذا المعنى العام الواسع للحرية هو المعنى التي يتفق فيه الفهم الإنساني، وتتقاطع عليه كل الأمم والشعوب في طول العالم وعرضه .

من هنا قد يكون الحديث عن الحاجة إلى مبانٍ فقهية للحرية، بما لها من المعنى العام، من باب لزوم ما لا يلزم .

نعم للحديث لزوم عندما نتناول أفراد الحرية، فنثبتها في مورد، وننفيها في آخر كما في حرية الفكر وحرية الكفر .

تأسيس الأصل العملي

المبنى الأول الذي يرتكز عليه الموقف الفقهي في كل قضية يبحثها علم الفقه هو الأصل العملي، أي الدليل الفقاهتي الذي يرجع إليه في حال فقدان الدليل الاجتهادي .

والأصل كما بين في علم الأصول عقلي وشرعي :

أما الأصل العملي العقلي فيدور بين البراءة من التكليف، ودليله قاعدة قبح العقاب بلا بيان، والاحتياط، ودليله حق المولى على عباده



28



بلزوم الطاعة. وعليه فهما يتحدثان عن خصوص الحرية في مقابل التكليف الشرعي، أي البراءة من الإلزام الشرعي الذي من شأنه أن يقيد حرية الإنسان بضرورة العمل على وفق حكم الله تعالى. ولكنهما مع ذلك يشتركان في أن الأصل في الإنسان الحرية في مقابل غير الله تعالى، وهذا يكفي في هذا المضار لما هو معلوم من أن القيود الشرعية، وإن كانت تقيد الفرد في موارد ثبوت التكليف، ولكنها ناشئة من مصالح ومفاسد ملزمة، تراعي بها حريات البشر ككل بما لا يجعلها متعارضة بعضها مع بعض.

أما الأصل الشرعي فجريانه في مورد الشك في الحرية مربوط بتحديد معنى الحرية، وتحليل مفهومها، إذ سيختلف الحال باختلاف حقيقتها.

وقد استعملت الحرية في مختلف ألسنة البشر في مصاديق مختلفة من قبيل: الحرية في مقابل العبودية، والحرية في الاعتقاد، والحرية السياسية، وحرية الفكر، وحرية الإرادة.

فحرية العبد تَخلُّصه من قيده المعنوي الاعتباري الذي يجعله تابعاً لسيده.

وحرية السجين تَخلُّصه من قيده الحديدي الذي يثقل حركته، ويمنعه من الذهاب حيث يشاء.

والحرية الأخلاقية هي كسر قيود الهوى ونوازع النفس والتغلب على الشهوات والأهواء... وهكذا




29



ويبدو أن الفرق بين أنواع الحرية مرتبط بالفرق بين أنواع القيود، ففي القيد المادي تكون الحرية في مقابل إطلاق السراح، وفي القيد المعنوي في مقابل الرق، وفي القيود الاعتبارية، شرعية وعرفية، تكون الحرية في مقابل التكليف... وعلى هذا المنوال1.

وبناء عليه، فإن قيل: "الحرية هي عدم القيد"، أيِّ قيد، فهي أمر عدمي2، لا نحتاج حينئذ إلى البحث عن المباني الفقهية لتشريعها، بل يكفي في ثبوتها عدم ثبوت القيود أو الشك فيها في كل أمر يراد إعطاء الحكم فيه. فيكون حالها كحال أصالة الإباحة، وتكون النتيجة: الإنسان حر في كل أمر من أموره ما لم يثبت قيد من الشرع أو العقل يمنعه من ذلك.

ففي كل مورد يُشك فيه في الحرية يكون معنى الشك: هل الإسلام أوجد قيداً للبشر يمنعهم من فعل ما؟ فيقال: الأصل عدم القيد، ولو من باب استصحاب العدم الأزلي، أو العدم الوصفي، أي عدم جعل الحكم قبل البلوغ، وعدم القيد هو عين الحرية، حسب الفرض... وهكذا. وهذا هو ما يسمى بأصالة الحرية في الإسلام.



30



وإن قيل: "الحرية هي خلوص الإنسان من كل ما يعيقه من القيود المعنوية والمادية"3، فهي أمر وجودي ملازم لعدم القيد، فلا يجري استصحاب العدم هنا لأنه سيكون أصلاً مثبتاً، كما ثبت في أصول الفقه. فلا يمكننا أن نقول بأصالة الحرية كما في الفرض الأول.

ويبدو أن السيد الخوئي يرجح الاحتمال الأول، حيث يقول في مستند العروة في معرض معالجته للروايت المتعارضة المثبتة للحرية والنافية لها:

فالمرجع بعد تساقط الطائفتين المتعارضتين إنما هو أصالة الحرية..... فإن البشر مطلق العنان في تصرفاته يفعل ما يريد ويترك ما يشاء غير ما أمر به المولى عز وجل، ومن هنا فإذا شككنا في جعل التقييد كان لنا التمسك بالأصل لنفيه4.

وقد استخدم الفقهاء مصطلح أصالة الحرية في كتبهم عند الحديث عن الحرية في مقابل العبودية، فعدوا أن الأصل في الإنسان أن يكون حراً، فلا يجوز بيعه، ولا تسقط عنه عقوبة حر فيما إذا شك في رقيته. وهو أصل موضوعي مقدم على أصالة البراءة وغيرها من الأصول الحكمية.



31



وفي الحدائق أن هذه الأصالة متفق عليها نصاً وفتوى، قال البحراني:

وقد وقع في عبائر بعض الأصحاب أنه لا يقبل ادعاء الحرية من المشهور بالرقية، وفيه اشكال، لأن مجرد الشهرة لا تعارض أصالة الحرية المتفق عليها نصاً وفتوى5.

بل استظهر بعضهم أنها مجمع عليها، فقال:

والظاهر أن أصالة الحرية مجمع عليها بين الأصحاب 6.

وبملاحظة ما قدمناه من عدم الفرق بين الحريات إلا بنوع القيد، فإن ما يقال في الحرية في مقابل القيد المعنوي الرق يقال في الحرية مقابل القيود الأخرى، المادي والأخلاقي والسياسي والفكري... إلخ.

من هنا يمكن القول بأصالة الحرية بقول مطلق لا يختص بحال الشك في العبودية. بل إن عبارة السيد الخوئي المتقدمة تشير بوضوح إلى عموم هذه الأصالة، حيث تحدث عن التصرفات، والفعل والترك.

وقد استدلوا على هذه الأصالة بروايات منها على سبيل المثال:

صحيحة العيص بن القاسم، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن مملوك ادعى أنه حر ولم يأت ببينة على ذلك، أشتريه؟ قال: "نعم"7

وعن عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول:



32



كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: إن الناس كلهم أحرار إلا من أقر على نفسه بالعبودية وهو مدرك من عبد أو أمة ومن شهد عليه بالرق صغيراً كان أو كبيراً8.

وفي خبر حمزة بن حمران "قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أدخل السوق فأريد أن أشتري الجارية فتقول: إني حرة، فقال: اشترها إلا أن تكون لها بينة"9.

الأدلة الاجتهادية

الإسلام بنى تشريعاته المختلفة على مبدأ حرية الإنسان، فأطلق له العنان، ورفض استعباده كما رفض تقييده بأي قيد يتنافى مع حريته كإنسان.

وما شرع في الإسلام من تشريعات مقيدة لحرية الفرد إنما هو نابع من أصل مبدأ الحرية، وذلك على قاعدة أن حرية الإنسان ككل مقدمة على حرية الفرد، ولكي تتم مراعاة حرية الإنسان ككل لا بد من وضع قيود للفرد. إذاً لا تنافي بينها وبين الحرية الإنسانية.

ولا يخفى أن للحرية في الإسلام بعدين ؛ بعد في مقابل القيود المعنوية التي تقيد النفس البشرية كالطمع والهوى وآخر في مقابل القيود الاعتبارية التي يفرضها التشريع كالوجوب والحرمة.



33



أما فيما يختص بالرق فالإسلام لم يشرع الرق، وإنما وجده واقعاً فرضته الأمم على نفسها فعمل على تنظيمه للتخلص منه تدريجياً.ولهذا الموضوع بحث مستقل ليس هنا محله.

والذي يدل على أن الإسلام بنى تشريعاته على مبدأ حرية الإنسان في الإرادة والفكر والقول والفعل دليلان اثنان:

الأول: العقل

الثاني: النقل بما يشمل الكتاب والسنّة.

أما الإجماع فقد ثبت في علم الأصول أنه لا حجية له إلا إذا كان كاشفاً عن رأي المعصوم، فيعود في جوهره إلى السنّة، لذا سنضرب عنه صفحاً.

الدليل العقلي

يمكن تلخيص الدليل العقلي بثلاث مقدمات بديهية:

الأولى: أننا نشاهد في هذا العالم اختلافاً واسعاً بين الكائنات، وبين البشر أنفسهم، وتعدداً في الماهيات الكونية وفي طباع البشر وأشكالهم ولغاتهم وألوانهم وأخلاقهم إلخ.

الثاني: أن التعدد التكويني يستلزم بالضرورة تعدداً في اعتقادات البشر وميولهم وأفكارهم لما بينهما من ربط طبيعي. وقد ثبت في محله تأثير الأمور التكوينية على النفس في أفعالها وطباعها10.



34



الثالثة: أن التعدد التكويني في الاعتقادات والميول والأفكار ليس عبثياً، بل لا شيء في هذا الوجود عبثي، ما يعني أن له دوراً في حياة البشر لا يمكن إهماله بالكلية كما لا يمكن تركه دون ضبط، إذ الحالتان تسببان للبشرية ما لا يقبل به الشارع من الضيق والفوضى. وهذا يستلزم أن يكون التشريع متناسباً معهما، وهو معنى الحرية في اختيار المناسب لكلٍ بحسبه.

قال الشيخ محمد مهدي شمس الدين:

من المعلوم البديهي أن الخالق والمشرع واحد، وهو الذي خلق الكائنات بتنوعها وتعددها، خلق الأطباع والأذهان أيضاً متنوعة ومختلفة في ما تشتمل عليه، وما تحتويه من أفكار وآراء. من هنا كان من غير المعقول أن لا يلحظ هذا التنوع فيها، ويتعامل معها كأنه غير موجود أو أن يشرع ما يتنافى معه، ويقسر الناس على فكر واحد، بل ترك لهم المجال رحيباً للجولان في كل معالم الفكر ليصلوا من تلقاء أنفسهم إلى الحق والواقع الواحد، وهذا لا يتم بحال من الأحوال عن طريق قمع الفكر ومصادرته، وإجباره على ما لا يتلاءم مع طبيعته. لكل هذا كان في الإسلام، وهو تشريع الله الأكمل، مجال واسع لتعدد الفكر، كخطوة أولى وضرورية على طريق الاقتناع بما هو صواب، وللوصول إلى الهدف الأسمى الذي يريدهم أن يصلوا إليه11.



35



الدليل النقلي / القرآن الكريم

حفلت السور القرآنية بالعديد من الآيات التي تتحدث عن الحرية وضرورة كون الإنسان مطلق العنان في ما يفعله، وما يقوله، وما يعتقده، فلقد عبر القران الكريم في آيات عديدة عن نماذج مختلفة من الحوار بين الخالق والمخلوق كما تحدث عن الحوار بين المخلوقين أنفسهم كدعوة الأنبياء والرسل صلى الله عليه وآله وسلم لبني قومهم، أو الأقوام الآخرين.

والإسلام لم يشذ عن تلك القاعدة إلى الحد الذي أظهر عظمة الطرح الإنساني في الآية الكريمة:

﴿ قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ ﴾12.

وعن حرية التدين يقول الله تعالى:

﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾13.

جاء في مجمع البيان , في معرض الحديث عن سبب نزول هذه الآية أنها نزلت في رجل من الأنصار يدعى أبا الحصين. وكان له ابنان، فقدم تجار الشام إلى المدينة، يحملون الزيت. فلما أرادوا الرجوع من المدينة أتاهم ابنا أبي الحصين، فدعوهما إلى النصرانية، فتنصرا، ومضيا إلى الشام. فأخبر أبو الحصين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأنزل الله تعالى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾.



36



فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أبعدهما الله !هما أول من كفر.

فوجد أبو الحصين في نفسه على النبي، حين لم يبعث في طلبهما.

وقال تعالى: ﴿لكم دينكم ولي دين﴾14.

﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة﴾15.

﴿ فذكر إنما أنت مذكر، لست عليهم بمسيطر﴾16.

﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم، ألا نعبد إلا الله، ولا نشرك به شيئا، ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله﴾17.

﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن﴾18.

وتشترك هذه الآيات في قاسم واحد وهو أنها تتحدث عن ضرورة عدم فرض الرأي والعقيدة على الغير، وضرورة سلوك مسلك آخر للوصول إلى الهداية ألا وهو مسلك الإقناع بالحوار والمجادلة.

ففي ظل الإسلام، وعلى الرغم من اعتماده صيغة الدين الواحد ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾, لا تُلغى الديانات الأخرى، ولا يُحظر وجود سائر المبادئ والملل، بل يخاطبهم القرآن الحكيم معترفاً بوجودهم، وتاركاً لهم حرية اختيارهم.

فإن مبدأ الدين الواحد لا يعني الفرض، وإنما يعني أن الحق واحد،




37



وهو الدين الذي يريد الله تعالى من البشر أن يعتنقوه. أما إذا رغبوا عنه جهلاً أو عناداً، فلا يعني ذلك، بأي حال من الأحوال، جبرهم عليه، وفرضه عليهم بالقوة والقهر.

ومع وجود عقائد ومذاهب واتجاهات فكرية مخالفة، لم يفرض الإسلام على أحد الإذعان له دون اقتناع، ولم يُكره أحداً على اعتناقه بالقوة، بل جعل المبدأ الأساسي عدم مشروعية الإكراه في الدين، ولم يشرع أي عمل من شأنه إكراه غير المسلمين على اعتناقه، لهذا نرى أن دار الإسلام تتسع لغير المسلمين، وهم يتمتعون فيها بالحقوق السياسية والإنسانية الكاملة.

وهذا المبدأ هو الذي طبقه الرسولصلى الله عليه وآله وسلم، فإنه لما ظفر بأصحاب بدر، وكانوا مشركين، لم يقتلهم بل أخذ منهم الفداء، وتركهم على شركهم، فلم يجبرهم على الإسلام، وكذلك فعل بأهل مكة فإنه صلى الله عليه وآله وسلم قال لهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء. فلم يقتلهم، ولم يجبرهم على الإسلام، وكذلك صنع بأهل حنين.. إلى غير ذلك مما لا يخفى على من له أقل إلمام بتاريخ الرسول.

وتعهد صلى الله عليه وآله وسلم لنصارى نجران بضمان حريتهم الدينية في عباداتهم وشعائرهم، كما جاء في نص معاهدته لهم، حيث كتب إلى الأسقف أبي الحارث وأساقفة نجران وكهنتهم ومن تبعهم ورهبانهم "أن لهم على ما تحت أيديهم من قليل وكثير من بيعهم وصلواتهم ورهبانيتهم وجوار الله ورسوله لا يغير أسقف عن أسقفيته ولا راهب عن رهبانيته ولا




38



كاهن عن كهانته ولا يغير حق من حقوقهم ولا سلطانهم ولا شيء مما كانوا عليه ما نصحوا وأصلحوا فيما عليهم غير مثقلين بظلم ولا ظالمين"19 .

إذاً، لماذا حارب رسول الله الشرك، ولم يقبل من المشركين إلا أن يسلموا أو يقتلوا؟

والجواب: إن مشركي مكة بالخصوص وقفوا في وجه الدعوة إلى الإسلام، ومنعوا النبي من نشر دعوته بالقوة، واضطروه إلى الهجرة والخروج من مكة، ثم لم يكتفوا بذلك حتى هدموا دور المهاجرين، ثم خرجوا إليه ببدر لقتاله، وحاربوه بكل ما أوتوا من قوة، وألَّبوا عليه القبائل، ولو أنهم تركوه، ولم يتعرضوا عليه لما قاتلهم.

فهم بعملهم هذا يقفون حائلاً دون ممارسة الآخرين لحرية المعتقد، إذاً، فهو هنا يحارب القمع والقهر ورفض الحرية، ويؤسس لحرية المعتقد، وليس العكس.

وقد كانت الجزيرة مليئة بالكفار من أهل الكتاب وغيرهم، ومع ذلك لم يقاتل إلا من وقف في وجه الدعوة، فأراد القتال، أو ناصب العداء، أو أعان على قتال، أو نكث العهد.




39



وهنا يتولد سؤال آخر يقول:

ألا يمنع الإسلام نشر العقائد المخالفة له؟ فلماذا يُقبَل ذلك منه، ولا يُقبَل من غيره؟

والجواب: هنا يختلف الحال بين العقيدتين، فهناك عقيدة تفيد الناس لا يقف الإسلام في وجه نشرها، وأخرى تضرهم، لا بد له أن يحميهم منها بحكم انتمائهم إليه ودخولهم في حوزته ما يرتب عليه مسؤولية حمايتهم مما يضرهم. ألا ترى معي أن الإسلام لم يمنع النصارى واليهود من نشر عقيدتهم بالطرق السلمية الصحيحة غير المشتملة على الغش والخداع.

لماذا سمح لهم بعرض عقائدهم يا ترى؟

لسبب واحد، وهو أنهم يدعون إلى عبادة الله تعالى، وإن اختلف الإسلام معهم في الكثير من التفاصيل، فهناك مجال لتصحيح هذه الأخطاء الفرعية.
أما المشركون فهم يدعون إلى عبادة غير الله. وهذا خطأ أساسي وقاتل، ومعناه أنه لا مجال للوصول إلى الحق ما دام المبدأ خطأ.
إذا كان أحدنا يبحث عن بيت في حي معين، فمن الممكن أن يصل إليه إن هو أدام البحث لفترة من الزمن في ذلك الحي. أما إذا كان يبحث عنه في حي آخر غير الحي الذي يقع فيه، فلن يتمكن من الوصول إليه، ولو قضى عمره بالدوران والبحث عنه.




40



ويشهد لذلك أنه حينما قبل الإسلام بوجود سائر الأديان والاتجاهات ضمن مجتمعه وفي ظل دولته، فقد منحهم الحرية الكاملة في ممارسة شعائر أديانهم والقيام بطقوس عباداتهم، وتنفيذ تعاليمها وأحكامها، ولم يفرض عليهم شعائره وأحكامه، ولا تدخّل في شؤون أديانهم.

روى الكليني عن عبد الله بن سنان قال: قذف رجلٌ مجوسياً عند أبي عبد الله عليه السلام، فقال له: مه.

فقال الرجل: إنه ينكح أمه وأخته.

فقال الإمام: "ذاك عندهم نكاح في دينهم"20.

وفي كتاب غوالي اللآلي:

إن رجلا سب مجوسياً بحضرة الإمام الصادق عليه السلام فزبره ونهاه.

فقال له: انه تزوج بأمه.

فقال عليه السلام: "أما علمت أن ذلك عندهم النكاح؟"21

وفي رواية أخرى عن الصادق عليه السلام أنه قال لبعض أصحابه:

ما فعل غريمك؟.

قال: ذاك ابن الفاعلة!

فنظر إليه أبو عبد الله عليه السلام نظراً شديداً.

فقال: جعلت فداك، إنه مجوسي نكح أخته.




41



قال الإمام: أوليس ذلك من دينه النكاح؟22

وهذه النصوص تظهر روعة تسامح الإسلام وحمايته للحريات، فإنه لا يمنح الحرية لسائر الأديان في عباداتهم وأحكامهم فحسب، بل يدعو أتباعه إلى احترام تلك الأحكام، وعدم تعييرهم بها رغم فظاعتها في نظر العقلاء.
مرة سمع الإمام أبو جعفر الباقر عن تلميذه النبيه زرارة بن أعين، وهو يتحدث بحدة وتطرف عمن يخالف منهج أهل البيت عليهم السلام قائلاً: إنا نمد المطمار.

قال: وما المطمار؟ قلت: التُرُّ. فمن وافقنا من علوي أو غيره توليناه، ومن خالفنا من علوي أو غيره برئنا منه.

فقال له: يا زرارة قول الله أصدق من قولك، فأين الذين قال الله عز وجل:﴿ إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً﴾?

أين المرجون لأمر الله؟

أين الذين خلطوا عملا صالحاً وآخر سيئاً؟

أين أصحاب الأعراف؟

أين المؤلفة قلوبهم؟23

والمطمار بالمهملتين والتر بضم المثناة الفوقية والراء المشددة




42



هما خيط البنَّاء يشده على الحائط ليقوم اعوجاجه. يعني إنا نضع ميزاناً لتولينا الناس وبراءتنا منهم، وهو ما نحن عليه من التشيع، فمن استقام معنا عليه فهو ممن توليناه، ومن مال عنه وعدل، فنحن منه برآء، كائناً من كان. فرفض الإمامعليه السلام هذا المقياس، ولفت النظر إلى أربع مجموعات من البشر ليسوا على رأي زرارة، ولكن الله وعد في القرآن أن يدخلهم الجنة.

الدليل النقلي / السنّة الشريفة

تواترت الروايات التي تنص على أن الإنسان ولد حراً، ولا يحق لأحد سلبه حريته. وقد وردت الروايات بهذا المضمون عن مختلف الرواة بتنوع مذاهبهم.

ويمكن تقسيم النصوص الواردة في الحرية إلى طوائف، منها ما هو عام، ومنها ما هو وارد في موارد محددة:

الطائفة الأولى: ما تحدث عن الحرية في مقابل العبودية. ومنها:

ما في نهج البلاغة عن علي عليه السلام:

... ولا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً. وما خير خير لا ينال إلا بشر، ويسر لا ينال إلا بعسر24.




43



ومثله عنه عليه السلام:

أيها الناس، إن آدم لم يلد عبداً ولا أمة، وإن الناس كلهم أحرار25.

الطائفة الثانية: وهي ما تحدث عن الحرية من القيود المعنوية للنفس، ومنها:

ما عن الإمام علي عليه السلام: لا يسترقنك الطمع وقد جعلك الله حرا26.

وقوله عليه السلام: من قام بشرائط العبودية أهل للعتق، من قصر عن أحكام الحرية أعيد إلى الرق27.

وعن الإمام الصادق عليه السلام: إن صاحب الدين... رفض الشهوات فصار حرا 28.

كذلك عنه عليه السلام: من ترك الشهوات كان حراً29.

وعنه عليه السلام:

إن الحر حر على جميع أحواله، إن نابته نائبة صبر لها، وإن تداكت عليه المصائب لم تكسره وإن أسر وقهر واستبدل باليسر عسراً، كما كان يوسف الصدّيق الأمين صلوات الله عليه لم يضرر حريته أن استُعبد وقُهر وأُسر30.



44



الطائفة الثالثة: ما ورد في مواقف خاصة تدل على حرية الرأي أو الموقف:

فعن الحرية السياسية جعل الإسلام للمسلم حق اختيار الحاكم، ومناقشته، والاعتراض على ما لا يقبل من تصرفاته، وحق عزله. وحفل التاريخ الإسلامي بنماذج من الاعتراض على الحاكم تعد غاية في الرقي والتطور، ففي غزوة بدر نزل رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلمعلى أدنى ماء من مياه بدر إلى المدينة، فأشار عليه الحباب بن المنذر بن عمرو بن الجموح بغير ذلك، وقال لرسول الله:

أرأيت هذا المنزل، أمنزل أنزلكه الله، فليس لنا أن نتقدمه أو نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟

فقال صلى الله عليه وآله وسلم: بل هو الرأي والحرب والمكيدة.

فقال: يا رسول الله، إن هذا ليس لك بمنزل، فانهض بنا حتى نأتي أدنى ماء من القوم، فننزله ونغور ما وراءه من القلب، ثم نبني عليه حوضاً، فنملؤه ماء، فنشرب ولا يشربون.

فاستحسن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمذلك من رأيه، وفعله31.

وفي مبسوط السرخسي:

روى أن المشركين أحاطوا بالخندق، وصار المسلمون كما قال الله تعالى: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾، فبعث رسول الله



45



صلى الله عليه وآله وسلم إلى عبيدة بن حصن، وطلب منه أن يرجع بمن معه على أن يعطيه كل سنة ثلث ثمار المدينة، فأبى إلا النصف.

فلما حضر رسله ليكتبوا الصلح بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قام سيد الأنصار سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، رضي الله عنهما، وقالا:

يا رسول الله، إن كان هذا عن وحي فامض لما أمرت به، وإن كان رأياً رأيته فقد كنا نحن وهم في الجاهلية، لم يكن لنا ولا لهم دين، فكانوا لا يطمعون في ثمار المدينة إلا بشراء أو قرى، فإذا أعزنا الله بالدين، وبعث فينا رسوله نعطيهم الدنية؟ لا نعطيهم إلا السيف32

فقال صلى الله عليه وآله وسلم: إني رأيت العرب رمتكم عن قوس واحدة، فأحببت أن أصرفهم عنكم، فإذا أبيتم ذلك، فأنتم وأولئك. اذهبوا فلا نعطيكم إلا السيف32.

فقد مال رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم إلى الصلح في الابتداء لما أحس الضعف بالمسلمين، فحين رأى القوة فيهم بما قاله السَعدان، رضي الله عنهما، امتنع عن ذلك.

كل هذا كان يهدف إلى التهذيب والتربية لأصحابه على مبدأ قبول الرأي المخالف، والذي حرص الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم على تعليمه لأصحابه، فظهر من جراء ذلك نماذج إنسانية رائعة عملت بهذا المبدأ وتواصت به. فهذا الإمام علي عليه السلام يوجه ولاته المعينين على




46



الأقاليم إلى ضرورة التعامل مع الآخرين عبر السماع لهم، والعمل من أجلهم، فهم في رأيه المستنير إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق33.

وما موقفه من الخوارج والسماح لهم بطرح آرائهم وحرية عبادتهم وإقامتهم ما لم يبلغ ذلك سفك الدم إلا الصورة المضاءة للإسلام في الوقت الذي كان يعمل فيه آخرون ممن عمل في زمانه والأزمنة التي تلت ذلك من حكام ومتسلطين ومدعي الفكر على كم أفواه مخالفيهم ومعاقبتهم بشتى أنواع العذاب لرأي قالوه أو طريق آخر سلكوه.

خاتمة

وهكذا نرى، في هذه العجالة، أن الإسلام لم يلتزم في موضوع الحرية الإنسانية سوى قيد واحد، ألا وهو قيد العبودية لله تعالى. وبنى مجمل تشريعاته على مبدأ الحرية في الفكر والقول والفعل والإرادة ما لم يخرج الإنسان عن دائرة العبودية لله.

وما الأحكام الإلزامية التي فرضها التشريع الإسلامي على بني البشر سوى تنظيم لمبدأ الحرية ليتمكن الجميع من الاستفادة منه على أفضل وجه.
أرجو أن أن أكون قد وفقت لتقديم لمحة موجزة عن المباني الفقهية للحرية في الإسلام. والحمد لله رب العالمين.




47





هوامش



1- قسم الغرب الحريات إلى قسمين:
احدهما: الحرية في المجال الشخصي للإنسان، وهي ما تطلق عليه الديمقراطية اسم: الحرية الشخصية.
والآخر: الحرية في المجال الاجتماعي، وهي تشمل الحريات: الفكرية والسياسية والاقتصادية.
فإن الحرية الشخصية تعالج سلوك الإنسان بوصفه فرداً سواء كان يعيش بصورة مستقلة أو جزءاً من مجتمع. وأما الحريات الثلاث الأخرى فهي تعالج الإنسان بوصفه فرداً يعيش في ضمن جماعة، فتسمح له بالاعلان عن افكاره للآخرين كما يحلو له، وتمنحه الحق في تقرير نوع السلطة الحاكمة، وتفتح أمامه السبيل لمختلف ألوان النشاط الاقتصادي تبعاً لقدرته وهواه.
2- كما قد يستفاد من كلمات السيد محمد باقر الصدر. المدرسة الإسلامية، ص 109.
3 - ترى الحضارة الغربية أن الحرية هي ايمان الإنسان بسيطرته على نفسه وامتلاكه لارادته بعد أن رفض خضوعه لكل قوة. فلا تعني الحرية في الديمقراطية الرأسمالية: رفض سيطرة الآخرين فحسب، بل تعني اكثر من هذا سيطرة الإنسان على نفسه. راجع المدرسة الإسلامية، ص 108.
4 - الخوئي، السيد ابو القاسم، مستند العروة، كتاب النكاح، ج2، ص 76 – 77.
5- المحقق البحراني، الحدائق الناضرة -،ج 19، ص 389 – 390.
6- الحسيني المراغي، العناوين الفقهية، ج 2، ص 736.
7- العلامة الحلي، تذكرة الفقهاء ط.ج، ج 10 - ص 307.
8 - الكليني، الكافي، ج 6، ص 195.
9- الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج 13: الباب 5 من أبواب بيع الحيوان، ح 2.
10- راجع تاريخ المسعودي ج2، ص 97، وص 123.
11 - من مقدمة له رحمه الله لكتاب التعددية الدينية في الإسلام للشيخ حسن الصفار.
12 - سورة سبأ، آية 24.
13- سورة البقرة، آية 256.
14- سورة الكافرون، آية 6.
15- سورة النحل، آية 125.
16 - سورة الغاشية، آية 22.
17- سورة آل عمران، آية 64.
18- سورة العنكبوت، آية 46.
19- الطبقات الكبرى، مصدر سابق، ج 1، ص 266.
20- الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج5، ص 547.
21- الإحسائي، ابن أبي جمهور، غوالي اللآلي، ج3، ص 514.
22- المغربي، القاضي النعمان، دعائم الإسلام، ج 2، 458.
23- الكافي، مصدر سابق، ج2، ص 382.
24- نهج البلاغة، من وصية له عليه السلام لابنه الحسن، ج 3، ص 37.
25- الكافي، ج8، ص 69.
26- الليثي الواسطي، علي بن محمد، عيون الحكم والمواعظ، ص 528.
27- المصدر السابق، ص 584.
28 - ميزان الحكمة، ص 584.
29- الحراني، الحسن بن شعبة، تحف العقول، ص 89.
30- الكافي، مصدر سابق، ج2، ص89.
31- ابن عبد البر، الدرر، ص 105.
32- السرخسي، المبسوط، ج10، ص 87.
33 - نهج البلاغة، من عهد الإمام علي لمالك الأشتر.




يتبع

الرد مع إقتباس
قديم 10-07-2018, 07:31 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط وفعّال
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 2,025

آخر تواجد: 13-07-2018 07:28 PM

الجنس:

الإقامة:

المبنى الفقهي للحريات العامة في الإسلام



الشيخ مصطفى ملص


الحرية، تلك الأنشودة التي تجدها على كل شفة ولسان، يتكلم عنها الفلاسفة والفقهاء، والأدباء، وتعني في قاموس كل واحد من هؤلاء معاني خاصة. ولقد كانت في تعريف القدماء البسيط تعني أن لا يكون الفرد عبداً مملوكاً أو أن لا يكون مسجوناً. وهذا ما كان متناسباً مع ذلك العصر، حيث كانا أي العبودية أو السجن هما القيدين الوحيدين اللذين يحدان من حرية الإنسان.

ومع تغير الزمن وتطور الوسائل وتغير الحياة وظهور أنماط جديدة من العلاقات، تعددت التعريفات وتوسعت إلى مدى ليس من السهل الإحاطة به، وبدأت الحرية كمفهوم تأخذ صوراً وتعريفات متعددة ومتنوعة.

فهي بالمعنى العام:حالة الإنسان الذي لا يتحمل أي قسر والذي يتصرف وفقاً لارادته وطبيعته1.

وهي بالمعنى الاجتماعي "المقدرة على القيام بكل ما لا يمنعه القانون"



49



ما بالمعنى السياسي فإن: "الحرية هي مجموعة الحقوق المعترف بها للفرد والتي تحد من سلطة الحكومة".

وهي بالمعنى النفسي والأخلاقي حالة ذلك الإنسان الذي لا يقدم على أي عمل، خيراً كان أو شراً، إلا بعد تفكير عميق، وبادراك كلي للأسباب والدوافع التي جعلته يقوم بهذا التصرف.

ويرى ديكارت أن الحرية تتلخص بالمقدرة على القيام أو عدم القيام بشيء معين، وهذا يعني أن الإنسان لا يكون حراً إلا إذا امتلك امكانية معينة لتقرير موقفه.

وينظر كانط Kant إلى الحرية على أنها خيار اخلاقي مع الشيء أو ضده فيقول في كتابه "نقد العقل العملي" Critiعليه السلامue de laصلى الله عليه وآله وسلمaison صلى الله عليه وآله وسلمratiعليه السلامue:

إن الحرية هي:"خيار أخلاقي مع الخير أو ضده، مع العقل أو ضده، مع الكونية أو ضدها"

"أما اسبينوزا فإنه يرى أن الحرية الأخلاقية تعني خضوع الإنسان للعقل، وأن الإنسان الحر هو ذلك الإنسان الذي يعيش وفقاً لتوجيهات العقل"2

ويذهب هنري برغسون الفيلسوف الفرنسي الشهير (1859-1941)إلى أن الحرية هي واقعة، إن لم تكن أكثر الوقائع الملموسة وضوحاً وتحديداً، ولكن عبثاً يحاول المرء أن يبرهن على وجود الحرية، فما الحرية بشيء يمكن تحديده بل هي في الحقيقة إثبات للشخصية وتقرير لوجود الإنسان، إنها ليست موضوعاً يعاين، بل هي حياة تعانى.




50



وهكذا نرى مدى الاختلاف في تحديد معنى الحرية المجرد. غير أن ما يميز هذه التعريفات أو معظمها أنها تنظر إلى الحرية باعتبارها مفهوماً ارادياً عاقلاً ومدركاً فهي ليست فوضى على الاطلاق.

والمسألة المطروحة هي هل يمكن أن تكون الحرية حالة فردية؛ وهل يمكن للفرد أن يكون حراً في مجتمع غير حر؟ وما هو الرابط بين حرية الفرد وحرية المجتمع؟ يرى العديد من الفلاسفة والمفكرين أن الحرية كمفهوم تنبع أساساً من وعي المجتمع لها في مراحل محددة من وجوده، وفي هذا المجال يقول الفيلسوف والاقتصادي البريطاني جون ستيوارت ميل Jon.s. Mill:

"إن النطاق المناسب للحرية الإنسانية هو حرية الضمير بأشمل معانيها، وحرية الفكر والشعور، وحرية الرأي والوجدان المطلقة في كل الموضوعات، سواء كانت عملية أم تأملية أم علمية أم أخلاقية أم لاهوتية. وإن أي مجتمع لا يكفل لأفراده كل هذه الحريات لا يمكن أن يكون مجتمعاً حراً، بمعنى الكلمة، أياً كان شكل الحكومة القائمة فيه. والحرية الوحيدة التي تعدّ جديرة بهذا الاسم إنما هي تلك التي تؤكد بمقتضاها مصلحتنا بالطريقة التي تؤثرها طالما كنا لا نحاول أن نستلب الآخرين مصالحهم، أو أن نقف حجر عثرة في سبيل حصولهم على تلك المصالح، أو أن نعرقل جهودهم التي يبذلونها ابتغاء تحقيقها "3




51




فالحرية بحسب هذا المفهوم ليست مجرد شعور خاص وحسب، وإنما هي نتيجة لتفاعل اجتماعي يتبادل فيه الأفراد بالوسائل المناسبة تسهيل حصول كل منهم على مصلحته وحقوقه، فيحققون بذلك المجتمع الحر الذي يستطيع أفراده أن يكونوا أحراراً.

وإلى هذا المنحى بذهب العديد من الفلاسفة أمثال مالينوفسكي4 الذي يرى أن الحرية هي تلك الأحوال الاجتماعية التي تتيح للإنسان أن يحدد غاياته بالفكر، وأن يحققها بالفعل، وأن ينال حصيلة تحقيقها.

وبتحديد أكثر دقة يرى الفيلسوف هارولد لاسكي5 أن الحرية هي تلك الأحوال الاجتماعية التي تنعدم فيها القيود التي تكبل قدرة الإنسان على تحقيق سعادته. فالحرية بحسب رؤيتَي هارولد لاسكي ومالينوفسكي إنما هي مفهوم مرتبط بالمجتمع، وعلاقة من علاقاته التي يؤسسها، وليس شيئاً خارجاً عنه، وهي تتطور بتطور هذه العلاقات وتنمو بنموها6 .

إن هذا المفهوم للحرية الذي يجعل منها مسألة شعور وسلوك جماعي أو اجتماعي هو المفهوم الأوضح والأرقى تعبيراً عن حالة الحرية التي تفقد كل معانيها إذا انتفت عنها صفة الجماعة، فما قيمة إنسان يعيش خارج إطار المجتمع؟



52



الحرية إذاً مفهوم لا يمكن تلمسه إلا ضمن الجماعة، وهي المجال المعطى لكل فرد من أفرادها ليتصرف فيه بما يتوافق مع قناعاته الذاتية المتكونة لديه نتيجة التدبر والتبصر، بدون ضغط أو إكراه.

ولا يُنْظَر إلى القيود الناتجة عن التزام قيم ومبادئ الجماعة باعتبارها منافية للحرية، لأن ما تفرضه القيم والمبادئ من قيود أو تضعه من حواجز إنما هو في حقيقته جزءٌ من قناعة الفرد لأنها ناتجة عن القيم والمبادئ التي تشكل قناعته الذاتية.

الدين والحرية: علينا أن نميز عند حديثنا عن الدين بين النص الديني الأساسي كما هو في مصادره الأساسية وبين شرح النص الديني، أي الفهم البشري، فهم الفقهاء لهذا النص. فالنص الأساسي غالباً ما يأتي على صورة قاعدة عامة أو عنوان عريض، قابل لتفاوت الأفهام. أما الفهم البشري للنص فهو خاضع لعوامل كثيرة منها الواقع أو الظرف ومنها الثقافة الشخصية والعامة، والعوامل الشخصية النفسية والاجتماعية. وغالباً ما يأتي النص الديني المتعلق بالحرية منفتحاً وشاملاً، فإذا جاء شرح الشراح أوردوا عليه من القيود ما يُضَيّق رحابة هذا النص.

وقد أدرك الفقهاء ذلك فوضعوا بعض القواعد الفقهية التي تشير إلى اتساع مدى الحرية أصلاً مثل القاعدة الفقهية التي تقول: "الأصل في الأشياء الإباحة" وهي قاعدة تعني أن الأمور جميعها على أصلها

.


53

مباحة للإنسان، فاذا أراد أحدٌ أن يمنع أمراً فإن عليه أن يأتي بدليل على وجوب هذا المنع، إذ إن الاباحة لا تحتاج إلى دليل يدل عليها، أما المنع أو التحريم فهو الذي يحتاج إلى دليل يدل عليه.
وإذا عدنا إلى النصوص المتعلقة بما نسميه الفرائض أو الواجبات أو التكليف الشرعي فإننا سنجد أن النص يطلب من المكلف القيام بما كُلِّف به ولكن يترك لهذا المكلف خيار الفعل أو الترك مبيناً جزاء كلٍّ منهما في الآخرة أو في الدنيا والآخرة، وهذا ينطبق على أصل الايمان﴿ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ ﴾7 فالمسألة متروكة لذات الفرد ليعمل بما تؤدي إليه قناعته، فهو حر في اختيار السبيل الذي يسلكه ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ً﴾8
فإذا اختار الإنسان سبيل الايمان أي اقتنع بأصل الرسالة فإن من مقتضيات إيمانه أن يصدّق فعله قناعته، وأن يكون منسجماً تمام الانسجام مع الأوامر والنواهي، وإذا اختار سبيل الكفر فهو وما يختاره لنفسه، غير أن الفرد مسؤول عن خياره كائناً ما كان هذا الخيار.
وهنا من الممكن أن نطرح السؤال عن معنى الوعد والوعيد. أليس في ما يقدمه النص من وعد أو وعيد تهديد أو ضغط على الفرد؟ أليس الترغيب والترهيب يشكلان ضغطاً على خيار الإنسان؟
بدون شك إن في الترغيب والترهيب ضغطاً على الفرد. ولكن هذا الضغط هو ضغط معنوي على عقل الإنسان يجبره على التدقيق في



54



خياراته ويبعده عن اللهو والعبث فيها. إنه يدفعه لتحمل مسؤولية قراره ولإدراك قيمة هذا القرار على مستقبله.

وما يتوعد به النص الذين لا يؤمنون به، ليس فورياً، ولا دنيوياً، بل هو أخروي ويحصل بعد مفارقة الحياة. وقد كفل الدين الإسلامي لأتباعه كما لمخالفيه عدم تأثير خياراتهم على مستلزمات حياتهم الإنسانية، فلكل إنسان أجله ورزقه لا ينقص منهما ولا يزيد فيهما كفرٌ ولا إيمان: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾9

مؤدى العبودية لله:

لقد خلق الله الإنسان وخلق له العقل الذي يميز به الصواب من الخطأ. وهو الوحيد على ما نعلم من بين جميع المخلوقات الذي أعطي حق الاختيار بناءً على تلك القدرة العظيمة والنعمة السابقة. وقد قال الفقهاء إن العقل مناط التكليف، أي إن غير العاقل غير مكلف، وفي هذا يقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم:"رُفع القلم عن ثلاث: عن الصغير حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق" أي عن المجنون حتى يخرج من حالة الجنون. وعلى كل حال فإن الحالات الثلاث التي ذكرها الحديث هي حالات التباس. فقبل البلوغ يكون العقل غضاً، وفي النوم يكون غائباً، وفي حالة الجنون يكون مفقوداً.



55



وإذا كان العقل مناط التكليف، فإن الإنسان إذ ذاك يكون مسؤولاً عن تصرفاته.

ولكننا ندرك جميعاً أن هناك عوامل كثيرة قد تؤثر في قدرة العقل على النجاح في تحديد الخيارات، أهمها: الخوف والرغبة، فالإنسان يخاف المنغصات كلها ويرغب بالمتع كلها، لذلك ترى الذين يريدون أن يؤثروا على قرار أحد ما فإنهم يفعلون ذلك عن طريق ترهيبه من المنغصات أو المكدرات وترغيبه بالمتع.

والله سبحانه وتعالى خلق الإنسان وجعله كائناً اجتماعياً يعيش في جماعة، وجعل الجماعات متجاورة ومتداخلة، تتبادل المصالح والمكاسب أو تتنازعها وتتنافس عليها ويسعى بعضها لإخضاع بعضها الآخر أفراداً وجماعات. وإذا حصل الإخضاع حصل الطغيان والفساد وتم تجاوز الحدود التي يفترض أنها تكفل الحياة السليمة لبني البشر، وهو ما نسميه بالعدوان.

والله سبحانه وتعالى لا يريد من الخلق أن يطغى بعضهم على بعض ولا أن يعتدي بعضهم على بعض، ولا أن يظلم بعضهم بعضاً. ويريد للإنسان أن يكون حراً مختاراً.

لذلك جاء الإسلام ليقول للإنسان: أنت حر. كيف؟ إن أول آية تدل على هذه الحرية وأعظم آية تتحدث عنها هي قوله تعالى:﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾10



56



ماذا تعني هذه الآية؟ تعني أنه ليس لأحد من الخلق سلطة ولا قدرة للتصرف أو لتغيير ما كتبه الله تعالى للخلق، وبالتالي فإنه ينبغي للإنسان العاقل المؤمن أن لا يخشى أحداً من المخلوقين، وإنما تكون الخشية من الخالق عز وجل، أن لا يخشى أحداً لا على رزقه ولا على أجله ولا على أي أمر يشكل تهديداً له. فالله استأثر لنفسه بكل ذلك، ولم يجعل ذلك لأحد من خلقه:﴿ وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا ﴾11 فإذا كانت الآلهة المدّعاة على هذه الصورة من الضعف والوهن، كبقية المخلوقات، فلمَ الخوف منها؟
إن بقية الخلق مثلك أيها المخلوق في أصل الخلقة. فأنت لست أقل منهم ولا أضعف. فإن وجدت نفسك في ضعفٍ فمن نفسك؛ من تقصيرك وإهمالك وقلة عنايتك بتحصيل أسباب القوة المتاحة لك أصلاً ﴿ وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾12 . فالوهن ناتج عن سوء تصرف الإنسان فرداً كان أو جماعة0.

فإذا استطاع الإنسان أن يتخلص من خوفه، وآمن بقدرته، وسعى لتحصيل أسباب قوته، وأدرك أن الآخرين مساوون له، بمعنى أنه كما توجد لديه ثغرات فإن للآخرين ثغرات، وكما أن للآخرين نقاط قوة فإن لديه نقاط قوة، فعندها يصبح هذا الإنسان حراً، أي متصرفاً بموجب



57



قناعاته وبما ينسجم معها. وبهذا تكون "لا إله إلا الله" قد أخرجته حقاً من دائرة العبودية لكل أحد من الخلق، فعبودية الله تنفي عبودية سواه ومن انتفت عبوديته للمخلوقات صار حراً. وهذا ما يريده الله تعالى منّا أن لا نكون عبيداً لأحد إلا لَهُ، وهو الذي خلقنا وأعطانا حرية أن نؤمن به أو لا نؤمن، أن نعمل بموجب أوامره أو لا نعمل، فكأنه بعد أن هدانا النجدين أو السبيلين؛ سبيل الخير وسبيل الشر قال لنا: اذهبوا في هذه الحياة وكونوا احراراً. فالله قد يغفر للعبد كل ذنب إلا الشرك: ﴿ إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾13 .

لا إكراه في الدين:

في أكثر من آية في كتاب الله عز وجل القرآن الكريم دلالة على أن الايمان لا يكون إلا عن قناعة قائمة على الحجة والبرهان. وقد بين العلماء أنه لا يصح التقليد في العقائد، أي أنه لا يُقبل من المرء مجاراة أحد في موضوع إيماني إلا عن اقتناع بدليله.

ولا يجوز إكراه أحد على اعتقاده ﴿ لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾14 .

وبيّن القرآن الكريم أنه لا سلطة حتى للرسول صلى الله عليه وآله وسلم على إرغام الناس على الإيمان ﴿ وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ



58



جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾15.

وبيّن أن مهمة النبي هي تذكير الناس ﴿ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ* لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ * إِلَّا مَن تَوَلَّى وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ * إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ﴾16.

وقال أيضاً ﴿ مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ﴾17 .

فالبلاغ هو مهمة النبي والحساب على الله عز وجل.

وإذا كان الأصل هو حرية الإنسان وحقه في التزام قناعاته، فمتى تطرأ القيود على هذه الحرية؟

إن الحرية لا تكون حرية إلا في حال اتساق الفعل مع القيم الإجتماعية المتسالم عليها من المجتمع. ولا بد من الاعتراف بنوع من القيود. وهذه القيود يجب أن تكون من ضمن القناعات أو متوافقة معها، أي أن الإنسان يرى في هذه القيود مصلحة، بالمعنى الكلي للمصلحة، وهذا المعنى لا يكون ناتج فكر فردي، وإنما هو ناتج فكر الجماعة، وهو ما يتجسد في القيم التي تكون محل احترام وتقدير الجميع.

وبهذا المعنى نستطيع أن نُميّز بين الحرية والفوضى، فالحرية هي ممارسة القناعات ضمن احترام القيم الإجتماعية، أما الفوضى فهي ممارسة إرادة مخالفة للقيم، بحيث تدفع هذه الإرادة صاحبها



59



للخروج على القيم الاجتماعية ما يؤدي إلى اضطراب الواقع الاجتماعي والإحساس بخروج الفرد على إرادة المجتمع، فالفرق بين الفوضى والحرية أن الأولى هي ممارسة إرادة مخالفة لقيم المجتمع المحترمة، اما الثانية فهي ممارسة القناعة ضمن احترام قيم المجتمع. وبمعنى آخر إن الحرية قد تؤدي إلى مخالفة إرادة المجتمع، ولكنها لا تخالف قيمه، ووفق هذا المنطق فإن كثيراً من الممارسات التي تحصل تحت عنوان الحرية هي في الواقع فوضى، لأنها بخروجها على قيم المجتمع تؤدي إلى اضطراب الواقع الاجتماعي، وتهدد بنيان القيم، ويدخل تحت هذا العنوان ممارسة الشذوذ الجنسي، واتباع الصرعات التي تقوم على التمرد لغاية التمرد فقط.

ومن المؤسف أنه بسبب عدم قدرة بعضهم على تمييز الفرق بين الحرية والفوضى يلتبس عليهم الأمر، فيؤدي ذلك إلى رفض الاثنين معاً، وهذا ما يقع فيه بعض المتدينين، وأصحاب المشاريع الدينية.

التقوى والحرية:

وربما كان الالتباس الذي أشرنا إليه بين الحرية والفوضى قد أثر في قناعة بعضهم فاعتبر أن هناك تعارضاً بين التقوى والحرية.

فإذا كان مفهومنا عن الحرية هو ممارسة القناعة ضمن احترام القيم الاجتماعية فقيم المجتمع المسلم دون شك هي قيم الإسلام، وإذا تبنى المجتمع قيماً غير قيم الإسلام فلا نقول إنه مجتمع مسلم.



60



فما هو مفهوم التقوى؟

إن مفهوم التقوى من المفاهيم الواضحة ونستدل على ذلك بآية من كتاب الله عز وجل، قال تعالى: ﴿ لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾18 .
ويروى أن الامام علياً عرّف التقوى فقال: هي مخافة الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضى بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل.

وهذه الأوصاف الواردة في الآية القرآنية المذكورة وفي قول علي بن أبي طالب هي أوصاف للملتزمين بقيم الإسلام التي ارتضاها الله لعباده.

لذلك تستطيع أن تقول إن التقوى هي سلوك إنساني يُبتغى به رضى الله وإن لها أبعاداً تطال ذات الإنسان وتطال الإنسان الآخر، فرداً أو مجتمعاً وتطال أيضاً بقية المخلوقات، وهي تتحقق بهذه الابعاد، وانتقاص بُعدٍ من أبعادها يؤدي إلى تقوى ناقصة مشوهة، وهي بهذه الحالة تساوي لا تقوى، لأن فيها أخذاً لبعض الكتاب وتركاً لبعضه.




61



فإذا كان هذا هو مفهوم التقوى، فهل هي تتعارض مع الحرية؟

إان الذي نعتقده أن التقوى هي كمال الحرية، لأن المتقي عندما يمتنع عن فعل المعصية، أو عندما يفعل الطاعة فإنه يمارس قناعته التي يؤمن بها ويؤمن بأنها خير له من سواها، وهذا هو عين مفهومنا للحرية.

أضف إلى ذلك أن التقوى حرية ذات بعدين، بُعد داخلي وبُعد خارجي: أما البعد الخارجي فهو التزام القناعة وممارستها تجاه الآخرين دون الخضوع لضغوط الخارج أو قيوده المخالقة للقيم.

"وأما البعد الداخلي فهو التزام القناعة وممارستها دون الخضوع للضغط الداخلـي أي دون الخضوع لضغوط النفس من أهواء ورغبات وغرائز ونزوات وشهوات، وهذا ما يطلق عليه مصطلح الفلاح ".19

فإذا كانت الحرية كما يراها الآخرون تعني عدم وضع حد للميول والغرائز من الخارج، فإن الفلاح هو وضع القيود على الميول والغرائز من الداخل.

قال تعالى: ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا -* وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ﴾20 .

فقد عبَّرت الآيات عن القيام بتزكية النفس بأنه فلاح. والتقوى والفلاح يشكلان مفهوماً واحداً، يعني الوصول إلى الحرية، أو التحرر من ضغوط الخارج والداخل، أي من الضغوط التي يمارسها الآخرون




62



ومن الضغوط التي تمارسها النفس على صاحبها.

وأحب أن أختم هذه الفقرة يتبين أن التزام الأمر والنهي نتيجة الإكراه لا يسمى تقوى، ولا يعتبر تقوى إلا الالتزام الناتج عن قناعة ذاتية للفرد، ولهذا نقول إن التزام سلوك المتقين بغير قناعة إنما هو رئاء أو تقية.

الحريـة السـياسـية:

عندما نتحدث عن الحرية السياسية فإننا نقصد بها حرية الإنسان في اتخاذ الموقف السياسي من أي قضية من القضايا التي تصنف تحت مسمى الشأن العام، أو بالتعبير القرآني "الأمر" كما ورد في قوله تعالى ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ﴾

فالمتبادر إلى الذهن لدى سماع هذه الآية أن أمر المسلمين قائم على الشورى اي تبادل الآراء والأفكار ومناقشتها والخلوص إلى النتائج التي تجلب المنافع للأمة وتدفع عنها المفاسد.

والأمر إذن هو ما يهم المجتمع سواءً تعلق بالمسألة السياسية كاختيار الحاكم أو النظام العام، وصولاً حتى أدنى المصالح التي تهم المجتمع أو الأمة.

وعندما نتحدث عن الشورى فإننا نفهم منها تداول الرأي في المسألة، وهذا يعني حتماً أن الآراء متعددة وليست رأياً واحداً، وفي هذا إقرار بوجود الرأي الآخر وبحقه في التعبير عن ذاته.



63



ولقد حاول بعض الإسلاميين التمييز بين الشورى الإسلامية والديموقراطية الغربية، باعتبار أن مرجعية الشورى الإسلامية هي الشرع الإلهي بينما مرجعية الديموقراطية هي الشعب أو الشرائع الوضعية.

وهذا الالتباس ليس دقيقاً، ليس على إطلاقه. وعلى كل حال فإن الديموقراطية بحد ذاتها ليست ديناً، وانما هي نظرية سياسية تكفل آلية تحاكم تظهر من خلالها إرادة المجتمع، وتضمن خضوع السلطة والمجتمع لهذه الإرادة.

ومع الإقرار بأن هذه الآلية غالباً ما يشوبها خلل في التطبيق بسبب تدخل المصالح والضغوط المختلفة، إلا أنها إذا سلمت من العيوب فلا تتعارض مع مبادىء الإسلام التي تأمر بالشورى والمساواة والعدالة، كآلية لتحديد اتجاه الأغلبية في كل قضيّة، مع الإشارة إلى أن الأسس الفلسفية الديموقراطية، التي يتعلل بها الرافضون للديموقراطية في رفضهم، لا تشكل خطراً. فممَّ خوف الخائفين من المسلمين من ترك الإرادة العامة للناس تختار ما يناسبها ضمن الضوابط الإسلامية في ظل مجتمع مسلم؟

تختلف دوافع الأفراد وربما الجماعات في سعيها للإمساك بالسلطة بين دوافع حميدة وأخرى غير محمودة، إلا إنه وفي جميع الحالات لن تجد طالب سلطة إلا ويزعم أنه إنما يريد السلطة من أجل الخير العام.

ولا بد لكل ذي سلطان من أناس يرفضون وجوده في السلطة لأسباب



64



تختلف من جهة لأخرى، وهؤلاء يسمون في الأنظمة السياسية المعاصرة بـ "المعارضة". ووفقاً للنظرية الليبرالية تغدو المعارضة ضرورية، ولو لم تكن موجودة لوجب ايجادها لأنها تمثل الجهة التي تراقب أداء الحاكم وتنتقد هذا الأداء ما يؤدي إلى الاهتداء إلى العيوب والقيام بإصلاحها نظرياً على الأقل. وقديماً قيل نصف الناس أعداءٌ لمن ولي الأحكام هذا إن عدل.

فما هو موقف الإسلام من المعارض؟ وهل هي مقبولة أم مرفوضة؟

من المعروف أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وظيفة كل مسلم بحدود قدرته وطاقته ومعرفته. وقد بين النبي صلى الله عليه وآله وسلمأن الدين هو النصيحة فقيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم. فتضح الأئمة من مهام كل مسلم. وأحاديث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرة. وهذا هو جوهر عمل المعارضة حقيقة.

بل إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى ذي سلطان جائر فنصحه، فقتله"

ومع ذلك يزعم بعضهم أن المعارضة مرفوضة في الإسلام بدليل قوله عليه السلام "من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة ولا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية". رواه مسلم.

وتدل الوقائع التاريخية على تهافت هذا الزعم لجهة أن المعارضة محظورة في الدولة الإسلامية ومنها:



65



الخلاف يوم السقيفة، فبعد وفاة الرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اختلف المهاجرون والأنصار حول أحقية كل منهم في الخلاقة. كما اختلف المهاجرون فيما بينهم. ولم تنته تلك الخلافات ولا آثارها بتولي أبي بكر الصديق الخلافة. فقد رفض علي مبايعة أبي بكر والتف حوله رهط من بني هاشم يريدونه الخليفة على المسلمين. واستمر الأمر لمدة ستة أشهر.وقد جرت حوارات عديدة بين علي وابي بكر والمؤيدين له ولم تفلح في ثني علي عن موقفه. وحسم أبو بكر الأمر بتسليمه بحق علي في المعارضة وعدم البيعة وذلك عندما قال عمر بن الخطاب لعلي:

لست متروكاً حتى تبايع.

فتدخل أبو بكر قائلاً لعلي:"إن لم تبايع فلا أكرهك". واستمر علي في معارضته ولم يبايع إلا عندما هدد خطر القبائل المرتدة المدينة ووحدة الدولة الإسلامية، فكانت بيعته ذات بعد استراتيجي، ينم عن فهم سليم لمعنى المعارضة وهو حفظ الدولة المسلمة، وقد قال قولته المشهورة:"لأسالمن ما سلم الإسلام". أو "لأسالمن ما سلمت أمور المسلمين".

وإذا كانت معارضة علي انتهت بعد فترة وجيزة فإن من الصحابة من وافاه الأجل ولم يبايع. فهذا هو سعد بن عبادة يرفض إعطاء البيعة لأبي بكر ومن بعده لعمر، ولم يحدث أن أكرهه أحد على البيعة أو حكم بخروجه من ربقة الدين21 .




66



ولا يمكن إغفال مواقف مثل موقف أبي ذر الغفاري في معارضته لعثمان بن عفان الذي نفاه إلى الربذة ولكنه لم يحكم عليه بالمروق من الدين.

والمعارضة كما تصح من الأفراد فإنها تصح من الجماعة، فليس من المحظور قيام الجماعة المعارضة المنظمة بل إن الآية الكريمة تقول:﴿ وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. وهذا هو مفهوم المعارضة الجادة والهادفة، وليس المعارضة العبثية أو الصورية كالتي نراها ونسمع عنها في كثير من بلدان أمتنا، وهي المعارضة التي تهدف إلى إعطاء الشرعية للأنظمة الحاكمة المستبدة، وليس إلى الإصلاح والتغيير نحو الأفضل.

وأخيراً، إن ما يزعمه بعضهم من أن تلك هي طريق الفرقة والتنازع فليس إلا وهماً وتهويلاً، وتقوية لإمكانية ظهور الظلم والاستبداد. الفرقة في الدين هي غير التعددية في السياسة. وإذا كانت الأولى مذمومة لما تسببه من أذى على مستوى العقيدة والوحدة، فإن شؤون سياسة الأمة وعمران المجتمعات لا تستقيم عادة بوحدانية الفكر والفردية في الاجتهاد والقرار، وإنما بتلاقح الأفكار وبالحوار والنقاش وتقليب الرأي وصولاً إلى ما فيه المصلحة العامة.



67




هوامش



1- د. خضر خضر. مدخل إلى الحريات العامة وحقوق الإنسان ص 19 – 20.
2- مدخل إلى الحريات العامة وحقوق الإنسان د.خضر خضر. ص 20
3- المصدر نفسه، ص 23.
4- برونسلاف مالينوفسكي، صاحب كتاب الحرية والحضارة – راجع منيف الرزاز: الحرية ومشكلتها في البلدان المتخلفة.
5- هارولد لاسكي، صاحب كتاب الحرية في الدولة الحديثة. راجع منيف الرزاز- المصدر السابق.
6- د. خضر خضر. مدخل إلى الحريات العامة وحقوق الإنسان ص 19 – 20.
7- سورة الكهف الآية 18.
8- سورة الإنسان الآية 3.
9 - سورة البقرة، الآية 126.
10- سورة محمد، الآية 19.
11 - سورة الفرقان، الآية 3.
12- سورة آل عمران، الآية 139.
13 - سورة النساء، الآية 47.
14- سورة البقرة، الآية 256.
15- سورة يونس، الآية 99.
16- سورة الفاشية، الآيات 21-26.
17 - سورة المائدة، الآية 99.
18 - سورة البقرة، الآية 177.
19 - مطالعات في الدين والإسلام والعصر. د. محمد خاتمي، ص 122.
20- سورة الشمس الآيات 7 – 10.
21 - راجع كتاب د. محمد عمارة. الإسلام وحقوق الإنسان ضرورات لا حقوق، سلسلة عالم المعرفة، رقم الكتاب 89، رقم الصفحة 87. صادر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب – الكويت.




يتبع

الرد مع إقتباس
قديم 10-07-2018, 07:34 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط وفعّال
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 2,025

آخر تواجد: 13-07-2018 07:28 PM

الجنس:

الإقامة:

الحرية بين الفتوى الشرعية وأحكام الردة



الشيخ الدكتور عبدالله حلاق


- لا إكراه في الدين .
- دور المجامع الفقهية في ضبط الفتاوى الشرعية .
- الردة وتوبة المرتد في الأحكام الشرعية .

لا إكراه في الدين


بُعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالدين الخاتم للبشرية ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ﴾1 ، وفيه عقيدة التوحيد التي تنزه الله عز وجل في أسمائه الحسنى وصفاته وأفعاله العلية، وفيه مناسك العبادة التي جعلها الله لعباده المؤمنين من صلاة وزكاة وصوم وحج، وفيه الشريعة التي تحتاج إليها البشرية والمتضمنة لكل النظم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والمالية والقضائية والتربوية والأخلاقية والحضارية .

لقد بُعث عليه الصلاة والسلام بالإسلام الذي جاء ليحكم الحياة البشرية إلى يوم القيامة، حيث أمر الله تعالى نبيه والمسلمين بالدعوة إلى دين الله بالتي هي أحسن وبالحكمة والموعظة الحسنة، ونهى عن



69



دعوة الناس إلى الإسلام بالإكراه وقوة السيف، وأعطى الحرية للناس في اختيار الإسلام أو البقاء على عقائدهم السابقة، لقوله تعالى : ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾2 .

لقد حاول بعض المستشرقين تشويه هذه الحقيقة في تاريخ الإسلام من خلال طرحهم وتلامذتهم من أبناء جلدتنا شبهة انتشار الإسلام بالسيف، من أجل التشكيك بالإسلام والدعوة الإسلامية، وتشويه تاريخ الجهاد في سبيل الله . ونراهم يؤيدون وجهة نظرهم بالنصوص التالية :

1- ما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم :"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا اله الا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله تعالى"3 .

2- ما جاء في قوله تعالى : ﴿قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾4 .

وللرد على هذه المقولة، أقول :

أولاً : إن معنى الحديث الشريف هو أُمرت أن أقاتل من منعني حق



70



عرض الإسلام على الناس، من سلطان أو حاكم أو رئيس عشيرة.

ثانياً: إن نص الحديث جلي واضح بقوله عليه الصلاة والسلام : "مرت أن أقاتل"، وفرق كبير بين أقاتل وأقتل، فالمقاتلة غير القتل، كما أورد الإمام أحمد بن حجر العسقلاني في شرح الحديث، حيث يقول : "وقد أطنب ابن دقيق العيد في شرح العمدة . . . وقال لا يلزم من إباحة المقاتلة إباحة القتل، لأن المقاتلة مفاعلة تستلزم وقوع القتال من الجانبين . . . وحكى البيهقي عن الشافعي أنه قال : ليس القتال من القتل بسبيل قد يحل قتال الرجل ولا يحل قتله"5 .

ثالثاً : إن هذا القتال موجه للمشركين والذين يعبدون الأوثان، وليس لأهل الكتاب، إلا إذا وقفوا في طريق الدعوة الإسلامية وحالوا دون وصولها إلى أسماع الناس . ويقول الإمام النووي في هذه المسألة "قال الخطابي رحمه الله : معلوم أن المراد بهذا أهل الأوثان دون أهل الكتاب، لأنهم يقولون لا إله إلا الله"6.

رابعاً : جاء في قوله تعالى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾7 . وقد فسرها ابن كثير بقوله : "أي لا تكرهوا أحداً على الدخول في دين الإسلام، فإنه بيّن واضح، جليّة دلائله وبراهينه، ولا يحتاج إلى أن يُكرَه أحد على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام وشرح



71



صدره ونوّر بصيرته دخل فيه عن بينة، ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرهاً" . . . وعن سبب نزول الآية، قال ابن كثير : "نزلت في رجل من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له الحصيني، كان له ابنان نصرانيان وكان هو رجلاً مسلماً، فقال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : ألا أستكرههما فإنهما قد أبيا إلا النصرانية؟ فأنزل الله فيه ذلك . . . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن عوف، أخبرنا شريك عن أبي هلال عن أسبق قال : كنت في دينهم مملوكاً نصرانياً لعمر بن الخطاب، فكان يعرض علي الإسلام فآبى، فيقول "لا إكراه في الدين" ويقول : يا أسبق لو أسلمت لاستعنا بك على بعض أمور المسلمين"8 . وهذا يُوضح بشكل جلي أن الإسلام لم يفرض على ابني الحصيني المسلم، ولم يُفرض كذلك على المملوك لدى عمر.

خامساً: ونصل إلى تبيان معنى الحديث "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله . . الحديث"، إن المقاتلة هنا إنما هي للمشركين الذين يعبدون الأوثان ويصدون عن سبيل الله، من خلال التصدي لحركة الدعوة الإسلامية، من منع وإيذاء وقتل للدعاة إلى الله، وكذلك هي موجهة للحكام من أهل الكتاب وغيرهم، الذين يمنعون، بقوة سلطانهم، وصول الدعوة



72



والدعاة إلى الناس . وإن الوصول إلى الناس لعرض الإسلام، في هذه الحالة، لا يمكن إلا من خلال قتال هؤلاء الحكام، وإزاحتهم من أمام طريق الدعوة الإسلامية .

سادساً : ونأتي إلى تبيان معنى الآية الكريمة ﴿قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾9. يقول الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي في مسألة الجزية التي يقدمها أهل الكتاب الذين يعيشون في كنف الدولة الإسلامية "ذلك لأن كلمة "الجزية" من الجزاء أو من أجزأ وجزأ . تطلق على المال الذي يؤخذ من الكتابي، فيجزىء عن ضرورة تحمل مسؤولية رعايته وحمايته واعتباره عضواً في المجتمع الإسلامي، بحيث ينال سائر الحقوق" . وعن معاملة الخليفة عمر لنصارى تغلب قال البوطي : "فقد صح أن نصارى تغلب تضايقوا من كلمة "الجزية" و"الجزاء" وعرضوا على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أن تؤخذ منهم الجزية باسم الصدقة، وإن اقتضى ذلك مضاعفة القدر عليهم، وقالوا له : خذ منا ما شئت ولا تسمها جزاء . . . فشاور عمر الصحابة في ذلك، فأشار عليه علي عليه السلام أن يقبلها منهم مضاعفة باسم "الصدقة"10 .



73



سابعاً: إن الجزية تؤخذ من الرجال الذين يستطيعون القتال ولا تؤخذ من الشيوخ والنساء والأطفال . يقول القرطبي في تفسيره فيها : قال علماؤنا رحمة الله عليهم : والذي دل عليه القرآن أن الجزية تؤخذ من الرجال المقاتلين، لأنه تعالى قال: ﴿قَاتِلُواْ الَّذِينَ إلى قوله حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ﴾ فيقتضي ذلك وجوبها على من يقاتل . ويدل على أنه ليس على العبد وإن كان مقاتلاً، لأنه لا مال له، ولأنه تعالى قال : ﴿حَتَّى يُعْطُواْ﴾ . ولا يقال لمن لا يملك حتى يعطي . وهذا إجماع من العلماء على أن الجزية إنما توضع على جماجم الرجال الأحرار البالغين، "وهم الذين يقاتلون دون النساء والذرية والعبيد"11 .

ثامناً: وكان الخلفاء المسلمون يعفون من الجزية من لا يستطيع أداءها ممن طعنت فيهم السن، فقد أرسل الخليفة عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطأة كتاباً يقول فيه "أما بعد فإن الله سبحانه إنما أمر أن تؤخذ الجزية ممن رغب عن الإسلام واختار الكفر عتياً وخسراناً مبيناً . فضع الجزية على من أطاق حملها، وخل بينهم وبين عمارة الأرض، فإن في ذلك صلاحاً لمعاش المسلمين وقوة على عدوهم . وانظر من قبلك من أهل الذمة قد كبرت سنّه وضعفت قوّته، وولت عنه المكاسب، فأجرِ عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه . وذلك أنه بلغني أن أمير المؤمنين عمر مر



74



بشيخ من أهل الذمة يسأل على أبواب الناس . فقال : ما أنصفناك إن كنا قد أخذنا منك الجزية في شبيبتك ثم ضيَّعناك في كبرك . قال : ثم أجرى عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه"12.

وعن البعد الإنساني لنظم أهل الذمة في الإسلام، يقول الدكتور إدمون رباط "من الممكن، وبدون مبالغة، القول بأن الفكرة التي أدت إلى إنتاج هذه السياسة الإنسانية . . . إنما كانت ابتكاراً عبقرياً . وذلك لأنه للمرة الأولى في التاريخ، انطلقت دولة، هي دينية في مبدئها، ودينية في سبب وجودها، ودينية في هدفها، ألا وهو نشر الإسلام من طريق الجهاد بأشكاله المختلفة من عسكرية ومُثُلية وتبشيرية، إلى الإقرار في الوقت ذاته بأن حق الشعوب الخاضعة لسلطانهم أن تحافظ على معتقداتها وتقاليدها وتراث حياتها . وذلك زمن كان يقضي المبدأ السائد فيه بإكراه الرعايا على اعتناق دين ملوكهم"13.

وقد عُرف المسلمون بالتسامح مع أهل الكتاب، وكان هذا التسامح من أسباب دخول قبائل منهم في الإسلام . يقول سير توماس أرنولد في ذلك : "ويمكننا أن نحكم من الصلات الودية التي قامت بين المسيحيين والمسلمين من العرب بأن القوة لم تكن عاملاً حاسماً في تحويل الناس إلى الإسلام . محمد صلى الله عليه وآله وسلم نفسه قد عقد حلفاً



75



مع بعض القبائل المسيحية وأخذ على عاتقه حمايتهم ومنحهم الحرية في إقامة شعائرهم الدينية . كما أتاح لرجال الكنيسة أن ينعموا بحقوقهم ونفوذهم القديم في أمن وطمأنينة . . . ومن هذه الأمثلة التي قدمناها آنفاً، عن ذلك التسامح الذي بسطه المسلمون الظافرون على العرب والمسيحيين في القرن الأول من الهجرة، واستمر في الأجيال المتعاقبة، نستطيع أن نستخلص بحق أن هذه القبائل المسيحية التي اعتنقت الإسلام، إنما فعلت ذلك عن اختيار وإرادة حرة . وإن العرب المسيحيين الذين يعيشون في وقتنا هذا بين جماعات مسلمة لشاهد على هذا التسامح"14.

وقد تميز المسلمون بصدقهم ورحمتهم بأهل الكتاب، الأمر الذي دفع بنصارى الشام إلى أن يتصلوا بالجيش الإسلامي، من أجل الاستعجال في القدوم إلى بلادهم، لتخليصهم من نير الرومان، فيقول أرنولد في ذلك : "ولما بلغ الجيش الإسلامي وادي الأردن، وعسكر أبو عبيدة في فحل، كتب الأهالي المسيحيون في هذه البلاد إلى العرب يقولون : يا معشر المسلمين، أنتم أحب إلينا من الروم، وإن كانوا على ديننا . أنتم أوفى لنا وأرأف بنا وأكفّ عن ظلمنا وأحسن ولاية علينا . . . وهكذا كانت حالة الشعور في بلاد الشام إبان الغزوة التي وقعت بين سنتي 53-59هـ/633-639م "معركة اليرموك"، والتي طرد فيها العرب جيش



76



الروم من هذه الولاية تدريجاً . ولما ضربت دمشق المثل في عقد الصلح مع العرب سنة 57هـ/637م، وأمنت بذلك السلب والنهب، كما ضمنت شروطاً أخرى ملائمة لم تتوان سائر مدن الشام في أن تنسج على منوالها، فأبرمت حمص ومنبج وبعض المدن الأخرى معاهدات أصبحت بمقتضاها تابعة للعرب، بل سلم بطريق15 بيت المقدس هذه المدينة بشروط مماثلة . وإن خوفهم من أن يكرههم الأمبراطور الخارج على الدين على اتباع مذهبه، قد جعل الوعد الذي قطعه المسلمون على أنفسهم بمنحهم الحرية الدينية أحب إلى نفوسهم من ارتباطهم بالدولة الرومانية وبأية حكومة مسيحية . ولم تكد المخاوف التي أثارها نزول جيش فاتح في بلادهم تتبدى حتى أعقبها تحمس قوي لمصلحة العرب الفاتحين"16.

إن هذا العرض الواضح للأدلة الشرعية والتاريخية يوصلنا إلى نتيجة محددة بالتالي :

1- ثبت من الوجهة الشرعية أنه لا يجوز إكراه الغير على دخول الإسلام لأنه لا إكراه في الدين .

2- إن القتال عبر تاريخ الإسلام كان موجهاً للحكام الذين كانوا يستخدمون سلطانهم من أجل منع الدعوة الإسلامية من الوصول إلى الناس .




77



3- إن نظام أهل الذمة بمثابة عقد أمان لأهل الكتاب الذين يعيشون في كنف الدولة الإسلامية ويمارسون بموجبه حرياتهم العقدية والاقتصادية والإجتماعية .

4- ثبت من خلال الأدلة التاريخية وشهادة شاهد من أهلها، أن المسلمين قد عاملوا أهل الكتاب معاملة تميزت بالتسامح والرحمة .

ويؤكد الدكتور محمد خير هيكل على هذه الحقائق بقوله:"حدثنا التاريخ أن الصليبيين حين استولوا على بيت المقدس ارتكبوا فيه أفظع المجازر البشرية، حتى أصبحت المدينة مخاضة واسعة من دماء المسلمين . . . ثم حدث أن استرجع المسلمون بيت المقدس، فماذا كان موقف الفاتحين المسلمين بمن فيه من الصليبيين؟ لقد منحوهم الأمان! . . . إن هذا الطراز العالي من السلوك، هو الذي دفع بعض المؤرخين الغربيين أن يقول عن فتح المسلمين للبلاد، واصفاً بذلك شعوره في الوقت نفسه، إزاء حركة الفتح هذه : ما عرف التاريخ فاتحاً أرحم من العرب! . . . هذا ومن الواضح أن هدف تحرير البشرية من أنظمة الاستبداد على الأرواح، أو على الأجساد، كان يتجلى في حركة الجهاد بدخول حكام البلاد المفتوحة في الإسلام، مما ينبغي قلب الأنظمة التي كانوا عن طريقها يستبدون بالناس في أرواحهم وضمائرهم، فلا يتركون لهم حقهم في اختيار الدين الذي يعتقدون . . . كما يستبدون بهم في أجسادهم، فلا يتركون لهم حقهم في العيش الكريم، والاستمتاع بثمرات جهودهم وثرواتهم




78



لقد كان تحرير البشرية من أنظمة الاستبداد هذه، يتم عن طريق دخول حكام البلاد وإحلالهم الأنظمة الإسلامية محلها . . . كما كان هذا التحرير يتم عن طريق نزع مقاليد الحكم من أيدي المستبدين، حين يرفضون الدخول في الإسلام، وإعطائها لمن أسلم من أهل الأقاليم المفتوحة، أو للقادة الفاتحين لكي يحكموا البلاد بنظام الإسلام . ذلك النظام الذي كان هو الدافع لحركة الجهاد"17.

دور المجامع الفقهية في ضبط الفتاوى الشرعية

لقد غم على الكثير من خاصة المسلمين وعامتهم حقيقة أن القداسة في الإسلام إنما هي للقرآن الكريم والسنة الصحيحة، لأنهما من مصدر إلهي رباني؛ فالكتاب هو الذي أُنزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ابتداءً في ليلة القدر﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر﴾ القدر/1 . والكتاب هو الذي ﴿أُحْكِمَتْ ءَايَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾هود/1 . والكتاب هو الذي ﴿لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ الواقعة/79. والكتاب هو المحفوظ من التبديل والتحريف ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ الحجر/9 .
والسنة النبوية الصحيحة وهي ما رفع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أقوال وأفعال وتقريرات، بسند صحيح، هي أيضاً توصف بالقداسة، لأن الله تعالى يقول عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ النجم/3-4، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾



79



الحشر/7، و﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ﴾ النساء/80،﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ﴾ النساء/59، أي إلى كتاب الله تعالى وإلى سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . والكتاب والسنة الصحيحة هما الأصلان لكل علوم الإسلام على المستوى العقدي والشرعي، والفقهي والأحكام الشرعية، وعلى المستوى الاجتماعي والمالي والاقتصادي والسياسي والحضاري والأخلاقي والثقافي والدعوي . . . ولذلك قال صلى الله عليه وآله وسلم :"وإني تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله"18 ، وقال أيضاً : "فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ"19

وتعريف السنة النبوية هي : "ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أقوال وأفعال وتقريرات أو وصف خَلقي أو خُلقي"20. وقد اتفق العلماء على أن السنة النبوية واجبة الاتباع كالقرآن الكريم في الاستناد إليها واستنباط الأحكام والفتاوى الشرعية، وأنها المصدر الثاني في التشريع الإسلامي بعد القرآن21 .

مكانة اجتهادات العلماء في الإسلام :

استند علماء الإسلام عبر التاريخ في اجتهاداتهم وفتاويهم إلى الكتاب والسنة، حيث أصّلوا وقعّدوا القواعد الشرعية، وحددوا مصادر التشريع الإسلامي بالتالي:



80



أولاً : القرآن الكريم، ويتألف من 6236 آية . وهو الأصل الأول الذي تتفرع عنه بقية المصادر22 .

ثانياً : السنة النبوية، وهي الأقوال والأحكام والأعمال التشريعية الصادرة عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم شرحاً وتوضيحاً لما جاء في القرآن الكريم23 .

ثالثاً : الإجماع، هو اتفاق المجتهدين من أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاته في عصر من العصور على حكم شرعي24 .

رابعاً : القياس، وهو إلحاق أمر غير منصوص على حكمه الشرعي بأمر منصوص على حكمه، لاشتراكهما في علة الحكم25 .

وزاد أهل السنة والجماعة على هذه المصادر : "الاستحسان، والمصلحة المرسلة، والعرف، وشرع من قبلنا، ومذهب الصحابي، وسد الذرائع، والاستصحاب"26 .

ولقد أوضح العلماء أن مقاصد الشريعة الإسلامية هي خمسة :

أولاً : حفظ الدين، لأن الدين الحق مصلحة ضرورية للناس، لأنه ينظم علاقة الإنسان بخالقه، وعلاقته بالكون، وعلاقته بالحياة، وعلاقته بالإنسان .



81



ثانياً: حفظ النفس، وهي ذات الإنسان، وهي المقصودة بذاتها في الايجاد وفي الحفظ والرعاية .

ثالثاً: حفظ العقل، وهو أعظم منحة ربانية للإنسان حتى يرشده إلى الخير ويبعده عن الشر .

رابعاً: حفظ النسل والعرض أو النسب، والقصد من حفظ العرض حفظ النسل والنسب، وتبادل المنافع27.

خامساً: شرع الإسلام في سبيل الانتفاع بالأموال والمعاملات الشرعية التي تكفل الحصول عليه وتوفيره للمسلم وتبادله وحفظه .

وبالتالي وجدنا أن اجتهادات وفتاوى العلماء عبر التاريخ الإسلامي كانت تسعى من أجل هذه المقاصد الخمسة للشريعة الإسلامية، لأن الإنسان مكرم عند الله تعالى : ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ الإسراء/70، ولأنه خليفته على الأرض من أجل إقامة دين الله وشرعه . من أجل ذلك فقد وضع العلماء بعض القواعد الفقهية استناداً إلى مصادر الشريعة الإسلامية، من أجل ترجيح بعض الأحكام والمصالح على بعض، وهي :

1- الضرورات تبيح المحذورات .
2- يُتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام .
3- يُرتكب أخف الضررين لاتقاء أشدهما .
4- يُختار أهون الشرين .




82



5- المشقة تجلب التيسير .

6- الحرج مرفوع شرعاً .

7- الحاجات تنزل منزل الضرورات أحياناً في إباحة المحظورات .

8- الضرر يُزال شرعاً .

9- الضرر لا يُزال بالضرر .

10- دفع المضار مقدم على جلب المنافع .

11- درء المفاسد أولى من جلب المصالح28 .

إن هذه الإنجازات الشرعية والفقهية المتعلقة بالإنسان ومكانته في الإسلام، إنما هي مستنبطة من الكتاب والسنة، الأصلين الأساسيين في ديننا وشريعتنا الإسلامية . والقواعد الشرعية والفقهية التي أوردناها إنما هي فروع استنبطت من أصولها ومظانِّها، وهي ثمرة إعمال العقل والفكر للعلماء حتى وصلوا إليها، أي إنها من أعمال البشر، وهي جهد مأجورون عليه، وإنها من الأمور التي تقع في دائرة القضايا التي يؤخذ منها ويرد عليها، لأنها نتاج بشري، ولا يُتعاطى معها كالكتاب والسنة، لأنه لا اجتهاد مع النص، حيث إن الكتاب والسنة منزهان لأنهما من عند الله تعالى .

المفتي يوقع عن الله في فتواه :

كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي يفتي للمجتمع الإسلامي الوليد، وهو



83



بذلك يعتبر الموقّع عن الله تعالى، لأنه ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ يوسف/40، حيث قال ابن القيم الجوزية : "أول من قام بهذا المنصب الشريف سيد المرسلين وإمام المتقين وخاتم النبيين عبد الله ورسوله، وأمينه على وحيه، وسفيره بينه وبين عباده، فكان يفتي عن الله بوحيه المبين . فكانت فتاويه جوامع الأحكام، ومشتملة على فصل الخطاب، وهي في وجوب اتباعها وتحكيمها والتحاكم إليها ثانية الكتاب، وليس لأحد من المسلمين العدول عنها ما وجد إليها سبيلاًَ"29.

وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم تصدى للفتوى الصحابة الكرام، وقد بين الإمام الجويني حد المفتي من الصحابة فقال : "لا يخفى على ذي بصيرة أن الخلفاء الراشدين كانوا مجتهدين مفتين لأنهم تصدوا للإمامة، ولا يصلح لها إلا مجتهد، وكانوا يفتون في زمنهم، ويحكمون وينفذون، ولم يُعترض عليهم، فدل ذلك على القطع بأنهم كانوا مفتين"30.

إن الفقهاء من الصحابة الذين اشتهروا بالفتاوى والأحكام ليسوا كلهم سواء في عدد الفتاوى، فمنهم المكثر، ومنهم المتوسط، ومنهم المُقِلّ، قال ابن القيم : "الذين حفظت عنهم الفتوى من أصحاب رسول الله مائة ونيف وثلاثون نفساً ما بين رجل وامرأة"31.



84



أما المكثرون من الفتيا فهم سبعة : عمر بن الخطاب، علي بن أبي طالب، عبد الله بن مسعود، عائشة أم المؤمنين، زيد بن ثابت، عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر32 . وكان المفتون من الصحابة قدوة الأمة ومنارها، وكانوا يتورعون عن الفتيا إلا إذا تعينت عليهم . وهذا المنهج أثر في كثير من التابعين وأتباعهم، حيث كانوا يكرهون التسرع في الفتيا مخافة الزلل، وحتى لا يكونوا جسراً يعبر عليه المستفتي إلى أهوائه . قال ابن القيم "كان التابعون يكرهون التسرع في الفتوى، ويود كل واحد منهم أن يكفيه إياها غيره، فإذا رأى أنها قد تعينت عليه بذل اجتهاده في معرفة حكمها من الكتاب والسنة، أو قول الخلفاء الراشدين، ثم أفتى به"33.

وبعد ذلك تحولت الفتوى إلى عناية المدارس العلمية الشرعية : مدرسة الإمام جعفر الصادق وآل البيت عليهم السلام، مدرسة الإمام أبي حنيفة، مدرسة الإمام مالك، مدرسة الإمام الشافعي ومدرسة الإمام أحمد بن حنبل (ره).

لقد كانت الفتوى في عهدهم في أيدٍ أمينة من حيث صفات ومعرفة وفقه وورع أصحاب هذه المدارس الشرعية، ورغم ذلك نقول إن نتاج هؤلاء الأئمة العلماء الجهابذة وفتاويهم إن هي إلا اجتهادات شرعية وفقهية في اختلاف الزمان والمكان في حواضر العالم الإسلامي . وإن هذه الاجتهادات أيضاً يؤخذ منها ويرد عليها رغم القدر العالي لهؤلاء العلماء والفقهاء في العلم والفقه والشرع والتقوى والورع .



85



الشروط العلمية للمفتي المجتهد :

المفتي وارث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقائم بفرض الكفاية، لكنه مُعرَّض للخطأ، ولهذا قالوا : المفتي موقع عن الله تعالى 34. وإذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا يُنكر فضله، ولا يُجهل قدره، وهو من أعلى المراتب السَنيّات، فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسموات؟ فحقيق بمن أقيم في هذا المنصب أن يُعِدَّ له عدته، وأن يتأهب له أهبته، وأن يعلم قدر المقام الذي أقيم فيه، ولا يكون في صدره حرج من قول الحق، والصدع به، وليعلم المفتي عمن ينوب في فتواه، وليوقن أنه مسؤول غداً بين يدي الله تعالى35.

ولذلك فقد قيد العلماء والفقهاء المفتي بضوابط، ومنها :

أولاً: العلم بالقرآن، ينبغي أن يعلم ما يتعلق بأحكام الشريعة من آيات الأحكام والإحاطة بالخاص والعام، والمطلق والمقيد، والمحكم والمتشابه، والمجمل والمفسّر، والناسخ والمنسوخ، فمن عرف كتاب الله تعالى نصاً واستنباطاً استحق الإمامة في الدين .

ثانياً: السنة النبوية، معرفة السنن للمجتهد هي القاعدة الكبرى، لأن معظم أصول التكاليف متلقاة من أقوال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأفعاله وتقريراته .



86



ثالثاً: معرفة الإجماع، حيث اشترطوا أن يكون عالماً بأقوال الفقهاء من الصحابة والتابعين ومَنْ بعدهم، وبما أجمعوا عليه، وما اختلفوا فيه، لكي لا يجتهد في مسألة وقع الإجماع عليها .
رابعاً: معرفة اللغة العربية، ينبغي على المفتي معرفة العربية وقواعدها، عارفاً بلسان العرب، وموضوع خطابهم، لغة ونحواً وتصريفاً .
خامساً: معرفة الناسخ والمنسوخ، حتى لا يفتي بما هو منسوخ .
سادساً: معرفة أحوال الرواة، وهو مختص بالسنة، فلا بد للمفتي، مع معرفته بأحاديث الأحكام، من معرفة الرواية، وتمييز الصحيح منها والفاسد، والمقبول والمردود، ومعرفة الجرح والتعديل .
سابعاً: علم أصول الفقه، لأنه أهم العلوم للمجتهد، منه تستبان مراتب الأدلة والحجج .
ثامناً: فهم مقاصد الشريعة العامة .
تاسعاً: معرفة القواعد الشرعية الكلية، مثل : لا يزال الضرر بالضرر، واليقين لا يزول بالشك، وإن المشقة تجلب التيسير36.

أهمية المجامع الفقهية في الفتوى :

من أجل الأمن من الخطأ والزلل من قِبَل المفتي الذي يمكن أن يتميز



87



بتحصيل هذه العلوم أو بعضها، فقد درج في هذا العصر على ضبط الفتاوى الشرعية من خلال المجامع الفقهية والشرعية، والتي يجتمع فيها عدد من العلماء أصحاب الاختصاص في معظم العلوم الشرعية، من أجل دراسة أي قضية شرعية، أو فقهية، أو طبية، أو اقتصادية، أو اجتماعية، ليصار بعد دراستها، بشكل مستفيض من المجمع، إلى إصدار فتوى شرعية بذلك .

وبهذا يُؤمَن من الخطأ والزلل . وقد عرف بذلك المجمع الفقهي في مكة المكرمة، ومجمع البحوث الإسلامية في الأزهر الشريف، والمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، والمجمع الإسلامي الفقهي الدولي . إن وجود هذه المجامع الشرعية والفقهية هي البداية على طريق ضبط الفتوى في أمتنا الإسلامية، لأن من ينظر إلى واقع الفتوى في عالمنا الإسلامي يرَ العجب العجاب، من انتشار الفتاوى من قبل غير الجهات الصالحة للفتوى، رغم كل القيود العلمية وشروطها الشرعية التي وضعها كبار العلماء والفقهاء، من أجل ضبط حركة الفتوى الشرعية المستندة إلى العلم والفقه والشرع والتقوى والورع، نرى أن الكثير ممن لم يحصلوا الشروط العلمية والشرعية، نراهم يفتون وبكل جرأة، ليس في المسائل الاجتماعية وقضايا الطهارة والعبادة والزكاة . . . بل يفتون بتكفير الغير، وبهدر الدماء، بشبهة دليل، ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ !!

إن هذه الفوضى في انتشار الفتاوى من غير أصحاب الاختصاص -إلا القليل منهم- أدت إلى تجرؤ بعض المتفيقهين، وبعض المغمورين علمياً



88



على إصدار الفتاوى في أخطر المسائل المتعلقة بواقع الأمة الإسلامية، في المجال العقدي والاقتصادي والسياسي والاجتماعي والجهادي، الأمر الذي ساعد على نشوء ظاهرة التطرف في عالمنا الإسلامي، هذا التطرف الذي يستند إلى هذه الفوضى في الفتاوى، حيث يُكفر الغير، وتُهدر الدماء، ويُذبح الآخر . وعن هذه الفتنة يبين لنا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بقوله : "لا تقوم الساعة حتى يكثر الهرج، قالوا : وما الهرج يا رسول الله؟ قال : القتل القتل"37. وعن دور الرويبضة في الفتنة يقول صلى الله عليه وآله وسلم : "إن أمام الدجال سنون خداعات يُكذب فيها الصادق ويُصدق فيها الكاذب، ويُخوّنَ فيها الأمين ويؤتمن فيها الخائن، ويتكلم فيها الرويبضة"، الحديث أخرجه أحمد وأبو يعلى والبزار، وسنده جيد، ومثله لابن ماجة، "قيل وما الرويبضة؟ قال : الرجل التافه يتكلم في أمر العامة"38.

وننتهي إلى خلاصة أصولية محددة بالأمور التالية:

أولاً: إن القرآن الكريم هو من عند الله تعالى، منزه عن التحريف بحفظ الله عز وجل له.

ثانياً: إن السنة النبوية الصحيحة المتعلقة بأقوال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأفعاله وتقريراته، قد حماها الله تعالى من خلال جهد العلماء في إيجاد علم الحديث رواية ودراية، هذا العلم الذي تميزت به أمة الإسلام عن غيرها من الأمم .



89



ثالثاً : إن معرفة مصادر التشريع الإسلامي، وتحديد مقاصد الشريعة الإسلامية، وتقعيد القواعد الأصولية الفقهية والشرعية التي تساعد العلماء على استنباط الأحكام الشرعية من مظانها، هي من نتاج بشري.

رابعاً: إن فتاوى علماء الإسلام قديماً وحديثاً تقع ضمن دائرة الاجتهاد التي يمكن أن يصيب فيها العالم أو يخطئ، فإن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر.

خامساً: إن اعتماد شروط المفتي العلمية والشرعية والفقهية من الأهمية بمكان، من أجل ضبط الفتاوى وأمن الخطأ والزلل فيها.

سادساً: ينبغي التأكيد في عصرنا الحاضر على دور المجامع الفقهية والشرعية في إصدار الفتاوى المتعلقة بالقضايا الكبرى في واقع أمتنا، على المستوى العقدي والشرعي والفقهي . . . إلخ.

سابعاً: ينبغي على العلماء أن يتصدوا للفتاوى التي تصدر عن مجهولي الهوية العلمية، وعن المتفيقهين، والعمل على تبيان تهافتها أمام الأدلة الشرعية الصحيحة، وتحذير عامة المسلمين منها.

إن وضوح هذه الرؤية الشرعية الأصولية لدى الأمة، يظهر أن الكتاب والسنة الصحيحة هما المقدسان لأنهما من مصدر إلهي، حيث لا اجتهاد مع النص . أما نتاج العلماء في تقعيد القواعد الأصولية واجتهاداتهم وفتاويهم، فتعتبر محترمة ومقبولة لدى الأمة، أخذت بها



90



ولا تزال، وإن ضبط الفتاوى ضمن المجامع الشرعية والفقهية من الأهمية بمكان، لأنها تحصن الفتوى من الخطأ والزلل، وتعصم الأمة من الفتنة والفوضى .

يتبع

الرد مع إقتباس
قديم 10-07-2018, 07:35 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط وفعّال
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 2,025

آخر تواجد: 13-07-2018 07:28 PM

الجنس:

الإقامة:

الردة وتوبة المرتد في الأحكام الشرعية

الردة هي كفر مسلم تقرر إسلامه بالشهادتين مختاراً بعد الوقوف على الدعائم والتزامه أحكام الإسلام، ويكون ذلك بصريح القول، كقوله : أشرك بالله، أو قوله : إن الله سبحانه جسم كالأجسام، أو بفعل يستلزم الكفر لزوماً بيناً كإلقاء المصحف أو بعضه ولو كلمة في مكان قذر استخفافاً، ومثل المصحف الحديث الشريف، وأسماء الله الحسنى، وكذا كتب الفقه إذا كان على وجه الاستخفاف بالشريعة الإسلامية وأحكامها، أو تحقيرها، وكذا أسماء الأنبياء، أو سجوده لصنم، وكذلك يكفر من يتعلم السحر والعمل به، لأنه كلام يعظم به غير الله تعالى، وتنسب إليه المقادير . . . ومن أنكر وجود الله تعالى ومن أنكر البعث، ويكفر إذا أنكر حل حكم مجمع على إباحته مما علم من الدين بالضرورة من القرآن والسنة المتواترة . . . أو سب نبي أجمعت الأمة على نبوته، أو سب ملكاً من الملائكة يجمع على ملكيته، أو طعن في أخلاق نبي، أو في دينه، ويكفر إذا ذكر الملائكة بالأوصاف القبيحة39.

ولما كان الإيمان هو التصديق بكل ما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم ﴿وَمَا آتَاكُمُ



91



الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾40. . . ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى﴾41، وصل إلينا بالتواتر، فإن الكفر هو عدم التصديق بكل ما جاء به رسول صلى الله عليه وآله وسلم، أو بشيء مما جاء به، وعلى هذا الأساس فالذي يتولى غير سبيل المؤمنين ويدعو إلى عقيدة تخالف الإسلام عقيدة وعبادة وشريعة وهو يعتقد بها يعتبر من المرتدين إن كان من المسلمين . . . وتقسم الردة إلى ثلاثة أقسام :



92



الردة الاعتقادية :

أ- كل من ينكر في عقيدته أو في قلبه الإيمان بالله تبارك وتعالى أو صفة من صفاته المنصوص عليها في القرآن الكريم والأحاديث الصحيحة أو لم ينزه الله تبارك وتعالى يعتبر مرتداً .
ب- كل من ينكر النبوة أو الوحي أو الرسالة يعتبر مرتداً .
ج- كل من ينكر الملائكة أو الجن أو اليوم الآخر أو آية من آيات الله أو حديثاً متواتراً من أحاديث رسول صلى الله عليه وآله وسلم يعتبر مرتداً.

الردة القولية:

إن الذي يتلفظ بلفظ يكون فيه امتهان وسخرية لاسم الله أو الملائكة أو كتب الله أو رسله عليهم السلام أو الإسلام عقيدة وعبادة وشريعة يعتبر مرتداً42.

الردة الفعلية:

كل من يمتهن القرآن الكريم كأن يمزقه أو يرميه في القاذورات، أو يسجد لصنم أو يضع شارات الكفر على صدره وهو يعلم بذلك يعتبر مرتداً . . . والردة في أي قسم من أقسامها الاعتقادية أو القولية أو الفعلية تحبط العمل إن اتصلت بالموت .



93



التحذير من التكفير لدى أئمة الدين :

قال رسول صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا كفّر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما"43.

ولهذا فقد انتبه العلماء والفقهاء بشكل مبكر إلى خطورة هذه المسألة من أن تصبح ديدن المسلمين، وحذروا من هذا الموضوع، ونستجلي ذلك من خلال أقوالهم التالية:

أولاً : قال الإمام أحمد "ولا يُخرجُ الرجلَ من الإسلام شيء إلا الشرك بالله العظيم أو برد فريضة من فرائض الله عز وجل جاحداً فيها"44.

ثانياً : وقال الإمام ابن عبد البرِّ شارحاً قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : "إذا سمى الرجل الآخر كافراً، فقد كفر أحدهما" . . . والمعنى فيه عند أهل الفقه والأثر- أهل السنة والجماعة- : النهي عن أن يكفّر المسلم أخاه المسلم بذنب، أو بتأويل لا يخرجه من الإسلام عند الجميع45.

ثالثاً : وقال الإمام ابن تيمية :"وقد تقرر من مذهب أهل السنة والجماعة ما دل عليه الكتاب والسنة : أنهم لا يكفِّرون أحداً من أهل القبلة بذنب، ولا يخرجون من الإسلام بعمل إذا كان منهياً عنه، مثل الزنى، والسرقة، وشرب الخمر، وما لم يتضمن ترك الإيمان"46.



94



رابعاً: وقال القاضي أبو الفضل عياض في مسألة التكفير : ذهب أبو المعالي رحمه الله في أجوبته لأبي محمد عبد الحق، وكان سأله عن المسألة فاعتذر له بأن الغلط فيها يصعب، لأن إدخال كافر في الملة وإخراج مسلم عنها عظيم في الدين، وقال غيرهما من المحققين: "الذي يجب الاحتراز من التكفير في أهل التأويل، فإن استباحة دماء المصلين الموحدين خطر، والخطأ في ترك ألف كافر أهون من الخطأ في سفك دم مسلم واحد"، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : "فإذا قالوها يعني الشهادة عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله . فالعصمة مقطوع بها مع الشهادة، ولا ترفع ويستباح خلافها إلا بقاطع، ولا قاطع من شرع ولا قياس عليه"47.

خامساً: قال الإمام أبو حامد الغزالي: "والذي ينبغي أن يميل المحصل إليه الاحتراز من التكفير ما وجد إليه سبيلاً، فإن استباحة الأموال والدماء من المصلين إلى القبلة، المصرحين بقول "لا إله إلا الله محمد رسول الله" خطأ، والخطأ في ترك تكفير ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك محجمة من دم أمرىء مسلم، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:" أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها"48 .



95



سادساً: وقال القاضي الشوكاني : "اعلم أن الحكم على الرجل المسلم بخروجه عن دين الإسلام ودخوله في الكفر لا ينبغي لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقدم عليه إلا ببرهان أوضح من شمس النهار، فإنه قد ثبت في الأحاديث المروية من طريق جماعة من الصحابة أن من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما . . . وأورد عدداً من الأحاديث، ثم قال : ففي هذه الأحاديث وما ورد موردها أعظم زاجر وأكبر واعظ عن التسرع في التكفير"49.

سابعاً: وقال الإمام أحمد بن حجر الهيثمي في ذلك : "ينبغي للمفتي أن يحتاط في التكفير ما أمكنه لعظيم أثره وغلبة عدم قصده سيما من العوام، وما زال أئمتنا- يعني الشافعية- على ذلك قديماً وحديثاً"50.

ثامناً: وقال الإمام تقي الدين السبكي عندما سئل عن حكم تكفير المبتدعة وأهل الأهواء : "اعلم أيها السائل أن كل من خاف الله عز وجل استعظم القول بالتكفير لمن يقول : لا إله إلا الله محمد رسول الله، إذ التكفير هائل عظيم الخطر، لأن من كفّر شخصاً بعينه فكأنما أخبر أن مصيره في الآخرة جهنم خالداً فيها أبد الآبدين، وأنه في الدنيا مباح الدم والمال، لا يُمكَّن من



96



نكاح مسلمة ولا تجري عليه أحكام المسلمين، لا في حياته ولا بعد مماته . . . ثم إن تلك المسائل التي يفتي فيها بتكفير هؤلاء القوم في غاية الدقة والغموض، لكثرة شبهها واختلاف قرائنها وتفاوت دواعيها . والاستقصاء في معرفة الخطأ من سائر صنوف وجوهه، والاطلاع على حقائق التأويل وشرائطه، ومعرفة الألفاظ المحتملة للتأويل وغير المحتملة . . . يستدعي معرفة جميع طرق أهل اللسان من سائر قبائل العرب في حقائقها ومجازاتها واستعاراتها، ومعرفة دقائق التوحيد وغوامضه، إلى غير ذلك مما هو متعذر جداً على أكابر علماء عصرنا فضلاً عن غيرهم . وإذا كان الإنسان يعجز عن تحرير معتقده في عبارة، فكيف يحرر اعتقاد غيره من عبارته؟! فما بقي الحكم في التكفير إلا لمن صرح بالكفر واختاره ديناً وجحد الشهادتين وخرج من دين الإسلام جملة، وهذا نادر وقوعه، فالأدب الوقوف عن تكفير أهل الأهواء والبدع"51.

تاسعاً : وقـال ابن تيمية عن المتأول المخطئ في تأويله : "وعلى هذا فالمتأول الذي أخطأ في تأويله في المسائل الخبرية والأمرية، وإن كان في قوله بدعة يخالف بها نصاً أو إجماعاً قديماً وهو لا يعلم أنه يخالف ذلك، بل اخطأ فيه كما يخطىء المفتي والقاضي



97



في كثير من مسائل الفتيا والقضاء باجتهاده، يكن أيضاً مثاباً من جهة اجتهاده الموافق لطاعة الله . . . فلهذا يوجد أئمة من أهل العلم والدين المنتسبين إلى الفقه والزهد يذمون البدع المخالفة للكتاب والسنة في الاعتقادات والأعمال، من أهل الكلام والرأي والتصوف ونحوهم، وإن كان في أولئك من هو مجتهد له أجر اجتهاده وخطؤه مغفور له"52.

الضوابط الشرعية للتكفير:

يستند المفتي أو القاضي في مسائل الحكم بالردة على المعيَّن إلى قواعد علمية تكلمنا عن بعضها، وإلى ضوابط شرعية، حيث إنهما يدرسان المسائل المطروحة عليهما بعمق على ضوء هذه القواعد العلمية والضوابط الشرعية، ومن أهمها :

الضابط الأول: هو التثبت من نسبة الكفر إلى المسلم : ينبغي قبل التسرع بتكفـير المسلم التثبت والتحقق فيما يُنقل من قول أو فعل أو اعتقاد يقتضي تكفيره . وينبغي أن يتأكد المنقول إليه من أمانة الناقل، ودينه، وورعه، وصدقه . . . وأن يُراعي-كما نبه عليه الإمام السبكي- ملاحظة العداوة بين الناقل والمنقول عنه، أو ما إذا كان يوجد هناك حساسية أو اختلاف في المشرب العلمي بينهما، أو اختلاف في المذهب أو اختلاف في الاجتهاد الفقهي أو الحركي . . . إن القاضي إذا نُقل إليه ما يقتضي تكفير المسلم . . . فإنه لا يقضي



98



بتكفيره إلا بأحد أمرين :

1- إما بإقرار ذلك المكفَّر .
2- وإما بشهادة عدلين منصفين .

وحينئذ يستفصلهما عن سبب الردة فإذا ما قام عنده الدليل القطعي اليقيني على أن ذلك موجب للردة، فإنه يستدعيه ويستتيبه، فإن أبى حينئذ يحكم بقتله.

الضابط الثاني: هو القصد والاختيار، أي التحقق من قصد واختيار المنقول عنه الكفر . ولكن هذا الضابط ليس على إطلاقه، إنما فيما يحتمل وجوهاً عدة من التأويل، أما فيما ليس له إلا معنى واحد، لا يحتمل تأويلاً ولا معنى آخر، فإن المسلم محاسب على ظاهر كلامه ولا يقبل منه أنه لم يقصد المعنى الكفري، لأن ذلك يفتح الباب واسعاً أمام الزنادقة ليخربوا الدين ويهدموه من الداخل . أما إذا كان الكلام الذي تفوه به المسلم أو الفعل الذي وقع فيه يحتمل وجوهاً من التأويل، فحينئذ لا بد من ملاحظة قصده، ومن التيقن من أنه أراد المعنى الكفري . . . وقال ملا علي القاري :"ذكروا أن المسألة المتعلقة بالكفر إذا كان لها تسع وتسعون احتمالاً للكفر واحتمال واحد في نفيه، فالأولى للمفتي والقاضي أن يعمل بالاحتمال النافي"53

الضابط الثالث : وهو إن لازم المذهب ليس بمذهب أو التفريق بين



99



الكفر الصريح والكفر الاستلزامي . . . أحياناً يقول الإنسان كلاماً أو يفعل فعلاً ليس صريحاً في الكفر ولكن يلزم منه ويترتب عليه الكفر، فهل نحاسبه على لازم كلامه وفعله أم نحاسبه على صريح كلامه وفعله؟ بعض علماء أهل السنة -وخاصة علماء ما وراء النهرين- يكفرونه على ما يلزم من كلامه، ولكن المحققين من علماء السنة وجمهور السلف والخلف يقولون : إن لازم المذهب ليس بمذهب، وعلى ذلك جرت تطبيقاتهم، فما يلزم من قول المسلم أو من فعله إن لم يكن صريحاً في الكفر - ولو كان يؤدي إليه- لا يكفرونه عليه، وليس معنى ذلك السكوت على ذلك القول أو الفعل، بل يغلظ عليه ويُعاقب ويبيَّن له خطر كلامه ولكن لا يطلق عليه حكم التكفير .
الضابط الرابع : انتفاء الإكراه، وهذا أمر لن أخوض فيه طويلاً لأنه معروف بين المسلمين . وقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾54. فمن أكره وأجبر على الكفر فتلفظ بالكفر وقلبه مطمئن بالإيمان وواثق بالله لا يكفر، وقصة سيدنا عمار بن ياسر (ره)معروفة وثابتة في الأحاديث الصحيحة، وإن كان الأفضل الأخذ بالعزيمة في ذلك، فعلى المسلم أن لا يتلفظ وينطق بالكفر وأن يثبت في وجه الكافرين ما استطاع، ولكن إن ضعفت نفسه وأخذ بالرخصة لا يكفر إذا كان قلبه مطمئناً بالإيمان .



100



الضابط الخامس : وهو ضابط مهم ويحتاج إلى انتباه وتفّهم، وهو التفريق بين المقالة والقائل، وهذا الضابط أيضاً ليس على إطلاقه، إنما فيما يعذر المسلم بجهله، أو فيما يشتبه عليه دليله . وللإمام ابن الهمام كلام في هذا الضابط نقله عنه ملا علي القاري، وأقره عليه . . . وهو في معرض الكلام عن تكفير أهل الأهواء، حيث قال : "اعلم أن الحكم في كفر من ذكرناه من أهل الأهواء مع ما ثبت عن أبي حنيفة رحمه الله والشافعي رحمه الله من عدم تكفير أهل القبلة من المبتدعة كلهم : محمله أن ذلك المعتقد في نفسه كفر، فالقائل به قائل بما هو كفر وإن لم يكفر"55 . . . وفي منهاج السنة : "ولا يلزم إذا كان القول كفراً أن يكفر كل من قاله مع الجهل والتأويل"56 .
فإذا كان الأمر مما يُعذر المسلم بجهله أو مما يخفى مثله على أمثاله أو حصل له اشتباه في دليله وهو من أهل النظر في الدليل لا يكفَّر57.

إثبات الردة وتوبة المرتد:

قال الأئمة : لا بد من إثبات الردة من شهادة رجلين عدلين، ولا بد من اتحاد المشهود به، فإذا شهدا بأنه كفر، قال القاضي لهما بأي شيء؟



101



فيقول الشاهد : يقول كذا، ويفعل كذا58 . . . ويفصل الأئمة هذه المسألة من خلال التالي :

الحنفية، قالوا : إذا ارتد المسلم عن الإسلام، عرض عليه الإسلام، فإن كانت له شبهة أبداها كشفت عنه . . فإن طلب الإمهال، يستحب أن يهمله القاضي ثلاثة أيام، ويحبس ثلاثة أيام، فإن أسلم بعدها، وإلا قتل، لقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾59 من غير قيد الإمهال، وكذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم : "من بدل دينه فاقتلوه"60 .

الشافعية، قالوا : إذا ارتد المسلم، فإنه يجب على الإمام أن يؤجله ثلاثة أيام، ولا يحل له أن يقتله قبل ذلك، لأن ارتداد المسلم عن دينه يكون عن شبهة غالباً، فلا بد من مدة يمكنه التأمل فيها ليتبين له الحق .

المالكية، قالوا : يجب على الإمام أن يهمل المرتد ثلاثة أيام بلياليها، وابتداء الثلاثة من يوم ثبوت الردة عليه . . .وإنما يستتاب المرتد وجوباً ذلك القدر صوناً للدماء، ودرأ للحدود بالشبهات، ويعرض عليه الإسلام عدة مرات، وتزال الشبهة التي تعرض له، ويمهل للتفكير .

الحنابلة، قالوا : في إحدى روايتيهم إنه يجب الاستتابة ثلاثة أيام مثل المالكية والشافعية، وفي رواية أخرى عنهم : إنه لا تجب الاستتابة،



102



بل يعرض عليه الإسلام فإن قبل تُرك وإلا يتحتم قتله حالاً61 .

بعد هذا العرض العلمي والشرعي في تعريف الردة وأقسامها وضوابطها، وتحذير العلماء أصحاب الاختصاص في المسائل الشرعية، من التسرع في التكفير، ومعرفة إثبات الردة، وبيان كيفية توبة المرتد . . نخلص إلى الأمور التالية :

أولاً: إن المفتي والقاضي هما المرجعان الصالحان للبت بمسائل تتعلق بالردة، لأنهما يمتلكان المستوى العلمي والعقدي والشرعي والفقهي، وهي الآليات التخصصية في معالجة هذه القضية الخطيرة والحساسة في حياة الإنسان وبعد مماته .

ثانياً: لا يجوز تكفير المسلم إن أخطأ في فهم مسألة متعلقة بالدين على مستوى العقيدة والعبادة والشريعة، حتى تُزال شبهته وتُقام عليه الحجة، ويُعطى مدة ثلاثة أيام بلياليها للتأمل والتفكر من أجل التوبة .

ثالثاً: لا يجوز تكفير المتأولين من المسلمين، وإن أخطأوا في اجتهادهم، وكذلك فإنهم لا يأثمون، بل يثابون على اجتهادهم الموافق للحق .

رابعاً: ضرورة الحذر في إصدار حكم التكفير على المسلمين، لأن دماءهم وأموالهم معصومة بالشهادتين .



103



خامساً : إن تنفيذ الحكم الشرعي بالمرتد هو من اختصاص الحاكم المسلم في الدولة التي يطبق فيها الإسلام عقيدة وعبادة وشريعة .



104




المصادر والمراجع


القرآن الكريم

1- إعلام الموقعين عن رب العالمين، محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، القاهرة، 1955.
2- الاقتصاد في الاعتقاد، الإمام محمد أبو حامد الغزالي .
3- آداب الفتوى، الإمام يحيى بن شرف النووي .
4- البرهان، الإمام عبد الملك بن عبد الله الجويني، إمام الحرمين .
5- تفسير القرآن العظيم، إسماعيل بن كثير، بيروت، دار مكتبة الهلال، 1968 .
6- تنوير القلوب، محمد أمين الكردي، حلب، دار التراث الإسلامي، 1988 .
7- تحفة المحتاج في شرح المنهاج، الإمام أحمد بن حجر الهيثمي .
8- الجهاد في الإسلام، محمد سعيد رمضان البوطي، بيروت، دار الفكر المعاصر، 1993 .
9- الجامع لأحكام القرآن، الإمام محمد بن أحمد القرطبي، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1952 .
10- الجهاد والقتال في السياسة الشرعية، د . محمد خير هيكل، بيروت، دار البيارق، 1996 .
11- الدعوة إلى الإسلام، توماس أرنولد، ترجمة حسن إبراهيم حسن، القاهرة، مكتبة النهضة، 1971 .
12- سنن أبي داود، سليمان بن الأشعث، بيروت، المكتبة العصرية . لا . ت .
13- شرح النخبة، الإمام ابن حجر العسقلاني، بيروت، دار الخير . لا . ت .
14- الشفا بتعريف حقوق المصطفى، أبو الفضل عياض اليحصبي، بيروت، دار الكتب العلمية، لا . ت .
15- صحيح مسلم بشرح النووي، الإمام يحيى بن شرف النووي، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1982 .
16- الفتوى نشأتها وتطورها، أصولها وتطبيقاتها، د . حسين محمد الملاح، بيروت، المكتبة العصرية، 2001 .
17- فتح الباري شرح صحيح البخاري، الإمام ابن حجر العسقلاني، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1982 .
18- الفقه على المذاهب الأربعة، عبد الرحمن الجزيري، بيروت، دار إحياء التراث العربي، لا . ت .
19- الفتاوى الكبرى، الإمام تقي الدين أحمد بن تيمية، دار العلم، بيروت، 1987 .
20- الوجيز في أصول الفقه، د . وهبة الزحيلي، بيروت، دار الفكر .
21- المجلة العربية، آب، 1975 .





هوامش





1- سورة آل عمران، الآية: 19.
2- سورة البقرة، الآية: 256.
3-رواه البخاري في كتاب الإيمان، باب فإن تابوا وأقاموا الصلاة، رقم 25. ومسلم في كتاب الإيمان، باب الأمر بالقتال، رقم 22، وقوله إلا بحق الإسلام تفرد به البخاري دون مسلم.
4- سورة التوبة، الآية: 29.
5- أحمد بن حجر العسقلاني، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، 1/64.
6- يحيى بن شرف النووي، صحيح مسلم بشرح النووي، 1/206.
7- سورة البقرة، الآية: 256.
8- إسماعيل بن كثير، تفسير القرآن العظيم، 1/447-448.
9- سورة التوبة، الآية: 29.
10-د. محمد سعيد رمضان البوطي، الجهاد في الإسلام، ص134-135.
11- محمد بن أحمد القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، م/4، ج/8، ص113.
12- د. محمد سعيد رمضان البوطي، الجهاد في الإسلام، ص134.
13- د. محمد سعيد رمضان البوطي، المرجع نفسه، ص129 عن محاضرة للدكتور رباط نشرتها مجلة الصباح اللبنانية، العدد 31، 20/3/1981.
14- سير توماس أرنولد، الدعوة إلى الإسلام، ترجمة حسن إبراهيم حسن، ص48-51.
15- هو البطريرك صفرونيوس الذي عقد المعاهدة مع أمير المؤمنين عمر، وعلى إثرها سلمه مفاتيح المدينة.
16- سير توماس أرنولد، الدعوة إلى الإسلام، ص53-54.
17- د. محمد خير هيكل، الجهاد والقتال في السياسة الشرعية، 3/1711-1712.
18- رواه أبو داود في المناسك.
19- رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
20- شرح النخبة، ابن حجر العسقلاني، بيروت، دار الخير، ص40.
21- الوجيز في أصول الفقه، د. وهبة الزحيلي، دار الفكر المعاصر، بيروت، ص39.
22- المجلة العربية، آب، 1975.
23- المصدر نفسه.
24- الوجيز في أصول الفقه، ص46.
25- المصدر نفسه، ص56.
26- انظر الوجيز في أصول الفقه، ص86-117.
27- انظر حقوق الإنسان في الإسلام، د. محمد الزحيلي، دار ابن كثير، بيروت، ص80-94.
28- حقوق الإنسان في الإسلام، ص98.
29-أعلام الموقعين عن رب العالمين، ابن قيم الجوزية شمس الدين محمد بن أبي بكر، القاهرة، ج1-11.
30- البرهان، للإمام الجويني، 2-1333.
31- أعلام الموقعين، ابن القيم الجوزية، 1-12.
32- الفتوى نشأتها وتطورها، أصولها وتطبيقاتها، د. حسين محمد الملاح، المكتبة العصرية، ص54.
33- أعلام الموقعين، ابن القيم الجوزية، 1-33.
34- آداب الفتوى، للإمام النووي، 13-14.
35- أعلام الموقعين، ابن القيم الجوزية، 1/10-11. وانظر الفتوى نشأتها وتطورها، ص584-585.
36- الفتوى نشأتها وتطورها، ص587-601.
37- رواه مسلم في الفتن، باب أشراط الساعة.
38- فتح الباري، شرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، ج 13، كتاب الفتن، باب خروج النار.
39- عبد الرحمن الجزيري، الفقه على المذاهب الأربعة، ج/5، دار إحياء التراث العربي، ص342.
40-سورة الحشر، الآية: 7.
41- سورة النجم، الآيتان: 3-4.
42- انظر فصل الردة في كتاب تنوير القلوب للشيخ محمد أمين الكردي، ص425.
43-مسلم بن حجاج بن مسلم، صحيح مسلم بشرح النووي، م/1، ج/2، ص49
44-. طبقات الحنابلة، ج/1، ص341، لابن أبي يعلى.
45- ابن عبد البرِّ، التمهيد، ج/71، ص22-41.
46- مجموع الفتاوى، ج/3، ص267.
47- أبو الفضل عياض اليحصبي، الشفا بتعريف المصطفى، ج/2، ص277-278.
48-انظر في كتاب «الاقتصاد في الاعتقاد»، لأبي حامد الغزالي.
49- الإمام محمد الشوكاني، السيل الجرار، ج/4، ص578.
50- الإمام أحمد بن حجر الهيثمي، تحفة المحتاج في شرح المنهاج، ج/9، ص88.
51- الإمام تقي الدين السبكي، الطبقات الكبرى، ج/1، ص13.
52- الإمام أحمد بن تيمية، الفتاوى الكبرى، ج/5، ص570-571.
53- الشيخ ملا علي القاري، شرح الفقه الأكبر، ص162.
54- سورة النحل، الآية: 106.
55- الشيخ ملا علي القاري، الفقه الأكبر، ص154.
56- انظر في كتاب منهاج السنة، ج/3، ص27.
57- إن هذه الضوابط الشرعية هي من جمع الشيخ حسن قاطرجي وقد عرضتها بتصرف واختصار.
58- عبد الرحمن الجزيزي، الفقه على المذاهب الأربعة، ج/5، ص343.
59- سورة التوبة، الآية: 5.
60- عبد الرحمن الجزيري، الفقه على المذاهب الأربعة، ج/5، ص343.
61- المصدر نفسه، ص344.


يتبع

الرد مع إقتباس
قديم 10-07-2018, 07:36 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط وفعّال
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 2,025

آخر تواجد: 13-07-2018 07:28 PM

الجنس:

الإقامة:

حكم الردة عن الإسلام والعلاقة بينه وبين مسألة الحرية الدينية رؤية شيعية



بسم الله الرحمن الرحيم

الشيخ علي خازم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين

ذكر القطب الراوندي في دعواته: عن أمير المؤمنين عليه السلام، أنه قال للبراء بن عازب: "ألا أدلك على أمر إذا فعلته كنت ولي الله حقاً؟ قلت: بلى، قال: تسبّح الله تعالى في دبر كل صلاة عشراً، وتحمده عشراً، وتكبره عشراً، وتقول: لا إله إلا الله عشراً، يصرف ذلك عنك ألف بلية في الدنيا، أيسرها الردة عن دينك، ويدخر لك في الآخرة ألف منزلة، أيسرها مجاورة نبيك محمد صلى الله عليه وآله وسلم"1

تتعرض بعض أحكام الحدود وبعض الأحكام الأخرى ومنها ما يتعلق بالأحوال الشخصية إلى مراجعة نقدية على خلفيات متعددة ومتباينة منذ إطلاق الميثاق العالمي لحقوق الإنسان الذي أقرته الأمم المتحدة في عام 1948 , وكذلك بعد إطلاق سلسلة مقررات دولية منها اتفاقية



109



"السيداو" التي عرفت باتفاقية "القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة" وكانت قد صدرت عام 1979م وقد أصبحت سارية المفعول في 3/2/1981 ..اتفاقية حقوق الطفل 1989, ثم مقررات مؤتمر بكين للمرأة سنة 1995م وغيرها...

وكانت القضية قد أخذت صورة حادة بعد صدور رواية سلمان رشدي الآيات الشيطانية سنة 1988 وما استدعته من أحكام في العالم الإسلامي بحقه خصوصاً حكم الإمام الخميني قدس سره الشريف عام 1989 بوجوب إعدامه2.

وفي السنوات الأخيرة برزت قضية حكم الردة في الإسلام وتعارضه مع الحرية الدينية تبعاً لإشكالات أثيرت على خلفية بعض الأحكام الصادرة في بعض دول العالم الإسلامي جراء تحول بعض المسلمين إلى النصرانية خصوصاً كما في السعودية وأفغانستان أو ردة بعض المسلمين عن الإسلام إلى الكفر عموماً كما في الإدعاءات في بعض الحالات كقضية عز الدين بليق في لبنان الذي أنكر نبوة سيدنا آدم ففرقت المحكمة الشرعية السنية بينه وبين زوجته وقضت بتوريث أمواله , وقضية نصر حامد أبو زيد في مصروغيرها في إيران...

وقد اتسعت دائرة المناقشة والردود والتعليقات حول هذه المسائل لتشمل مؤسسات وهيئات حكومية بما فيها المنظمات التي تجمع دول




110



العالمين العربي والإسلامي وما يرتبط بها من مؤسسات دينية ومجامع فقهية , فضلاً عن المؤسسات الأهلية والأفراد.

وبغض النظر عن إيجابية أن قسماً من هذه المناقشات والردود أتى استمراراً لحركة الإجتهاد الفقهي في مسارها الطبيعي- رغم أنها لم تسلم من بعض الملاحظات على هذا الصعيد3 - فإن قسماً آخر أتى تلبية لروح الانهزام أمام الثقافة الغربية4 ولكنه يستحق النقاش على أية حال , حيث صار من مصاديق الثغور التي يُخشى منها على ثقافة المسلمين.

عنوان الندوة وفق برنامجها "أحكام الردة أو أحكام تغيير المعتقد" عنوان ملتبس ويمكن مقاربته من الجهات التالية:

الأولى: تغيير المعتقد لأفراد المجتمع الإسلامي أعم من كونهم مسلمين إذ فيهم أتباع أديان أخرى وملحدون.

الثانية: تغيير المعتقد للمسلمين خصوصاً وهو موضوع مصطلح الردة الفقهي.



111



الثالثة - تغيير المعتقد لغير المسلمين خصوصاً.

ومن البديهي أن مصطلح الردة أو الارتداد في البحث الفقهي يختص بالمسلمين, ومع وجود أحكام خاصة بتغييرالمعتقد لدى الزرادشتيين واليهود والنصارى من أهل الكتاب, إلا أن فقهاءنا أعزهم الله لم يلاحظوها في مباحثهم الفقهية من هذه الجهة بل درسوها من جهة الإسلام فقالوا ليس كفر أولى من كفر ولم يرتبوا بالتالي على الردة بين غير المسلمين شيئاً إلا أن تنجرّ نوبة البحث إلى إمكانية قضاء المسلمين بينهم على موازينهم وتنفيذها , أو إلى إقرارهم على تنفيذ أحكامهم بحق بعضهم فها هنا يصير البحث مطلوباً, خصوصاً إذا علمنا أنه يمكن الحكم بالقتل على المرتد بينهم وفي هذا إخلال بسيادة الدولة الإسلامية من جهة قضائها ومن جهة رعايتها لحقوق المواطنين فيها بتغيير معتقدهم إلى الإسلام مثلاً5.

ويواجهنا التباس آخر في العنوان المفروض: أحكام الردة أو أحكام تغيير المعتقد، منشؤه هذه ال"أو" التي توحي بمعان مختلفة تنشأ عن طبيعة العلاقة المنطقية المحتملة بين القضيتين المفهومتين من "أحكام الردة" و"أحكام تغيير المعتقد" التطابق أو التضمن أو المغايرة.



112



وباستبعاد البحث الذي يتعرض لتضمن عنوان تغيير المعتقد للردة والذي تحدثنا عنه قبل قليل في الجهتين الأولى والثالثة, وتبعاً لسياق برنامج سلسلة الندوات التي نتحدث فيها نكتفي من هذا الوجه بما قدمناه عن الجهتين الأولى والثالثة, ونترك التفصيل فيه إلى مقام آخر ليبقى أمامنا النظر إلى الردة كمصطلح فقهي وإلى تغيير المسلم معتقده بمعناه العام فنكون أمام إما التطابق أو التغاير وهما محور إشكالية خاضعة للنقاش والإجتهاد، وبيان الأحكام المترتبة على ذلك خصوصاً لجهة علاقتهما بقضية الحرية الدينية.

وبناء عليه جعلت محاور بحث ورقتي هذه وعنوانها "حكم الردة عن الإسلام والعلاقة بينه وبين مسألة الحرية الدينية - رؤية شيعية" وفق الترتيب التالي:

- الرأي الفقهي والكلامي الشيعي.
- عرض مختصر لمسائل الحوار الدائر حول الردة في الفضاء الفكري الشيعي.
- مقاربة نقدية للنقاش وارتباطه بقضية الحرية الدينية.
- خلاصة.

الرأي الفقهي والكلامي الشيعي:

يتداخل "الفقه" و"الكلام" في مسألة الردة نظراً إلى أن النقل قرآناً وسنةً هما المصدر في تشكيل المصطلح والمفهوم الشرعي , وإنما



113



يتقدم المعنى الفقهي على الكلامي كونه أقرب للتبادر الذهني لما يترتب على الردة من أحكام تتعلق بنفس المرتد وبالمكلفين من حوله، ولأنَّ "الكلام" لا يرتب أثراً على المحيط ما دامت الردة في نفس المكلف - وإن قال الفقهاء بترتيبها الأثر عليه شخصياً وفي نفسه في مواضع سنتعرض لها. سأقتصر في هذه النقطة من البحث على بيان الرؤية الفقهية المتضمنة لبعض الإشارات الكلامية دون ما كان رؤية كلامية مستقلة.

يمكننا تتبع حكم الردة في الفقه الشيعي في ثلاثة مواقع: مستقلاً في المجاميع الفقهية وحكومياً في الدستور والقوانين الإجرائية التنفيذية حيث يمكن ذلك , ومشتركاً مع المسلمين في مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي.

في المجاميع الفقهية:

بحث الفقهاء عن موضوع الردة وآثاره في الموارد المتعلقة به من أبواب الفقه المتعددة سواء كانت هذه الكتب كتباً روائية مصنفة بحسب التبويب الفقهي المتعارف كما في الكتب الأربعة والوسائل, أو كتباً فتوائية استدلالية أو مجرَّدة.

ويمكن بالتالي الرجوع إليها تحت العناوين التالية:

1- كتاب الطهارة: أ - النجاسات، نجاسة الكافر. ب - المطهرات، مطهرية الإسلام، الأسآر.



114



2- كتاب الصلاة: حكم تارك الصلاة مستحلاًً، الارتداد أثناء الأذان، قضاء ما فات المرتد قبل ارتداده وحينه.
3- كتاب الصوم: حكم تارك الصوم مستحلاً، والارتداد أثناء الصوم.
4- كتاب الزكاة: حكم تارك الزكاة مستحلاً.
5- كتاب الحج: حكم تارك الحج مستحلاً، والارتداد أثناء الحج.
6- كتاب البيع: بيع العبد المرتد.
7- كتاب النكاح: أسباب التحريم، الكفر.
8- كتاب الإرث: موانع الإرث، الكفر.
9- كتاب الحدود: حد الارتداد.

وربما يتعرض له في مواطن أخرى، كالقصاص ونحوه، كما في وقوع المرتد موضوعاً لعمل المكلف المسلم - عدا ما ذكر - بيعاً ورهناً وإعتاقاً ومكاتبة وتدبيراً.

و قد أفردوه بباب خاص كما فعل كل من الشيخ - في المبسوط والخلاف - والشهيد - في الدروس - كتاباً مستقلاً للبحث عن المرتد سمياه ب‍"كتاب المرتد"، وأضاف الشيخ كتاباً سماه " كتاب قتال أهل الردة"6.



115



في الدستور والقوانين الإجرائية التنفيذية:

في دول مثل لبنان, البحرين, العراق حيث لا يعتبر المذهب الشيعي مذهب الدولة , تتبع المحاكم الشرعية الجعفرية - حيث تعطى صلاحياتها الإجرائية - فتاوى مرجع التقليد الحي الأعلم.

وفي حين لا ينص دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية - وهي الدولة الشيعية الوحيدة في عالم اليوم - على أي شيء يتعلق بأحكام الردة أو أهل الذمة7 فإنه قد ورد في الفصل الأول من نسخة سنة 1993:

المادة الثانية عشرة:

الدين الرسمي لإيران هو الإسلام والمذهب الجعفري الاثنا عشري، وهذه المادة تبقى إلى الأبد غير قابلة للتغيير.

وأما المذاهب الإسلامية الأخرى، والتي تضم المذهب الحنفي والشافعي والمالكي والحنبلي والزيدي فإنها تتمتع باحترام كامل. وأتباع هذه المذاهب أحرار في أداء مراسمهم المذهبية حسب فقههم، ولهذه المذاهب الاعتبار الرسمي في مسائل التعليم والتربية الدينية والأحوال الشخصية: الزواج والطلاق والإرث والوصية، وما يتعلق بها من دعاوى المحاكم.

وفي كل منطقة يتمتع أتباع أحد هذه المذاهب بالأكثرية، فإن الأحكام المحلية لتلك المنطقة ـ في حدود صلاحيات مجالس الشورى ـ تكون وفق ذلك المذهب، هذا مع الحفاظ على حقوق أتباع المذاهب الأخرى.



116



المادة الثالثة عشرة:

الإيرانيون الزرادشت واليهود والمسيحيون هم وحدهم الأقليات الدينية المعترف بها، وتتمتع بالحرية في أداء مراسمها الدينية ضمن نطاق القانون، ولها أن تعمل وفق قواعدها في الأحوال الشخصية والتعاليم الدينية.

المادة الرابعة عشرة:

بحكم الآية الكريمة:﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين﴾ على حكومة جمهورية إيران الإسلامية وعلى المسلمين أن يعاملوا الأشخاص غير المسلمين بالأخلاق الحسنة والقسط والعدل الإسلامي، وأن يراعوا حقوقهم الإنسانية، وتسري هذه المادة على الذين لا يتآمرون ولا يقومون بأي عمل ضد الإسلام أو ضد جمهورية إيران الإسلامية.

المادة الثانية والعشرون:

شخصية الأفراد وأرواحهم وأموالهم وحقوقهم ومساكنهم ومهنهم مصونة من التعرض إلا في الحالات التي يجيزها القانون.

المادة الثالثة والعشرون:

تمنع محاسبة الناس على عقائدهم، ولا يجوز التعرض لأحد أو مؤاخذته لمجرد اعتناقه عقيدة معينة.



117



المادة الرابعة والعشرون:

الصحافة والمطبوعات حرة في بيان المواضيع ما لم تخل بالقواعد الإسلامية والحقوق العامة، ويحدد تفصيل ذلك بالقانون.

المادة الخامسة والعشرون:

الرسائل والمكالمات الهاتفية، والبرقيات، والتلكس لا يجوز فرض الرقابة عليها، أو عدم إيصالها، أو إفشاؤها، أو الإنصات والتجسس عليها مطلقًا إلا بحكم القانون.

المادة السادسة والعشرون:

الأحزاب، والجمعيات، والهيئات السياسية، والاتحادات المهنية، والهيئات الإسلامية، والأقليات الدينية المعترف بها، تتمتع بالحرية بشرط أن لا تناقض أسس الاستقلال، والحرية، والوحدة الوطنية، والقيم الإسلامية، وأساس الجمهورية الإسلامية، كما أنه لا يمكن منع أي شخص من الاشتراك فيها، أو إجباره على الاشتراك في إحداها.

المادة السادسة والثلاثون:

لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص القانون، وتختص المحكمة بإصدارها.

المادة السابعة والثلاثون:

الأصل البراءة، فالمتهم بريء حتى تثبت إدانته من قبل المحكمة الصالحة.



118



المادة الثامنة والثلاثون:

يمنع أي نوع من التعذيب لأخذ الاعتراف، أو الحصول على المعلومات، ولا يجوز إجبار الشخص على أداء الشهادة، أو الإقرار، أو اليمين، ومثل هذه الشهادة أو الإقرار أو اليمين لا يعتد به.
المخالف لهذه المادة يعاقب وفق القانون.

المادة التاسعة والثلاثون:

يمنع بتاتًا انتهاك كرامة أو شرف من ألقي القبض عليه، أو أوقف، أو سجن، أو أبعد بحكم القانون، ومخالفة هذه المادة تستوجب العقاب.

المادة الأربعون:

لا يحق لأحد أن يجعل من ممارسة حق من حقوقه وسيلة للإضرار بغيره، أو الاعتداء على المصالح العامة.

الموقف الشيعي المشترك مع باقي المسلمين من خلال "مجمع الفقه الإسلامي الدولي" التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي:

ينحصرالتمثيل الشيعي في المجمع بالتمثيل الإيراني لأنه يتبع اشتراك الدول في منظمة المؤتمر الإسلامي. وقد حرصت إيران على المشاركة بفعالية وبتمثيل علمي عالي المستوى للقيام بتقريب الرؤية الشيعية في كل المسائل التي تعرض على المجمع لإبداء الفتوى فيها من خلال مبدأ الإجتهاد الجماعي الذي أقرَّه وتبنته المنظمة , ويمثل إيران فيه منذ عدة سنوات آية الله الشيخ محمد علي التسخيري. وقد



119



تعرض المجمع للإفتاء في مورد بحثنا مرتين , الأولى مسألة القاديانية في دورته الثانية حيث قرر ما يلي:

إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورة انعقاد مؤتمره الثاني بجدة من 10-16 ربيع الآخر 1406هـ /22 – 28 كانون الأول ديسمبر 1985م، بعد أن نظر في الاستفتاء المعروض عليه من مجلس الفقه الإسلامي في كيبتاون بجنوب أفريقيا بشأن الحكم في كل من القاديانية والفئة المتفرعة عنها التي تدعي اللاهورية، من حيث اعتبارهما في عداد المسلمين أو عدمه، بشأن صلاحية غير المسلم للنظر في مثل هذه القضية،

وفي ضوء ما قُدّم لأعضاء المجمع من أبحاث ومستندات في هذا الموضوع عن ميرزا غلام أحمد القادياني الذي ظهر في الهند في القرن الماضي وإليه تنسب نحلة القاديانية واللاهورية، وبعد التأمل فيما ذكر من معلومات عن هاتين النحلتين وبعد التأكد أن ميرزا غلام أحمد قد ادعى النبوة بأنه نبي مرسل يوحى إليه، وثبت عنه هذا في مؤلفاته التي ادعى أن بعضها وحي أنزل عليه وظل طيلة حياته ينشر هذه الدعوة ويطلب إلى الناس في كتبه وأقواله الاعتقاد بنبوته ورسالته، كما ثبت عنه إنكار كثير مما علم بالضرورة كالجهاد،

وبعد أن اطلع المجمع أيضاً على ما صدر عن المجمع الفقهي بمكة المكرمة في الموضوع نفسه،



120



قرر ما يلي:

أولاً: أن ما ادعاه ميرزا غلام أحمد من النبوة والرسالة ونزول الوحي عليه إنكار صريح لما ثبت من الدين بالضرورة ثبوتاً قطعياً يقينيا ًمن ختم الرسالة والنبوة بسيدنا محمد وأنه لا ينزل وحي على أحد بعده. وهذه الدعوى من ميرزا غلام أحمد تجعله وسائر من يوافقونه عليها مرتدين خارجين عن الإسلام. وأما اللاهورية فإنهم كالقاديانية في الحكم عليهم بالردة، بالرغم من وصفهم ميرزا غلام أحمد بأنه ظل وبروز لنبينا محمد.

ثانياً: ليس لمحكمة غير إسلامية، أو قاض غير مسلم، أن يصدر الحكم بالإسلام أو الردة، ولا سيما فيما يخالف ما أجمعت (عليه) الأمة الإسلامية من خلال مجامعها وعلمائها، وذلك لأن الحكم بالإسلام أو الردة لا يُقبل إلا إذا صدر عن مسلم عالم بكل ما يتحقق به الدخول في الإسلام، أو الخروج منه بالردة، ومدرك لحقيقة الإسلام أو الكفر، ومحيط بما ثبت في الكتاب والسنة والإجماع، فحكم مثل هذه المحكمة باطل.

والله أعلم

مجلة المجمع - ع 2، ج 1/209



121



والثانية في الدورة التاسعة عشرة 2009 في ما يخص عنوان الحرية الدينية في الشريعة الإسلامية والذي خلص إلى ما يلي:

قرارات المجمع الفقهي في دورته التاسعة عشر من 1- 5 / 5 /1430هـ

القرارات والتوصيات1 مايو 2009



بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين
قرار رقم 175 1/19

بشأن الحرية الدينية في الشريعة الإسلامية: أبعادها، وضوابطها

إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي المنعقد في دورته التاسعة عشرة في إمارة الشارقة دولة الإمارات العربية المتحدة من 1 إلى 5 جمادى الأولى 1430هـ، الموافق 26 - 30 نيسان إبريل 2009م،

بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع الحرية الدينية في الشريعة الإسلامية: أبعادها، وضوابطها، واستشعاره أهمية مناقشة موضوع الحريات الدينية من قبل المجمع لسدّ الحاجة الماسة داخل دول العالم الإسلامي وخارجه للتعرف إلى موقف المجمع



122



منه باعتباره مرجعية إسلامية فقهية عامة.

وبعد استماعه إلى الأبحاث المعدة في الموضوع والمناقشات التي دارت حوله، قرر ما يأتي:

أولا: الحرية الدينية مبدأ مقرر في الشريعة الإسلامية ينطلق من الفطرة ويقترن بالمسؤولية في الإسلام، ولها ضوابط في الشريعة، وغايتها تحقيق الكرامة الإنسانية.

ثانياً: الحرية الدينية مكفولة في المجتمع، وتجب صيانتها من المخاطر والأفكار الوافدة، ومن كل أشكال الغزو، الدينية أو غير الدينية، التي تستهدف تذويب الهوية الإسلامية للأمة.

ثالثاً: إن المسلمين يلتزمون بالمبدأ القرآني: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، وقد مارسوا عبر التاريخ التسامح وقبول الآخرين الذين عاشوا في ظل الدولة الإسلامية، ومن الضروري احترام غير المسلمين الخصوصيات الإسلامية، وأن توقف حالات التطاول على رسول الإسلام والمقدسات الإسلامية.

رابعاً: التنوع المذهبي والفقهي حالة طَبَعية، وتعاون المسلمين على اختلاف مذاهبهم واجب شرعي نص عليه الكتاب والسُنة.والإسلام يدعو إلى عقيدة التوحيد وتوحيد الكلمة على أساس التعاون فيما هو متفق عليه، وأن يعذر بعضهم بعضاً فيما اختُلف فيه.



123



خامساً: وضع حدّ لإثارة البلبلة حول المسلمات والثوابت الإسلامية وزرع الشكوك فيما هو معلوم من الدين بالضرورة من داخل المجتمع الإسلامي لأن ذلك يشكل خطراً على الدين والمجتمع ويتأكد الردع عن هذه الأساليب المرفوضة التي يتذرع أصحابها بالحرية الدينية، وذلك حماية للمجتمع وأمنه الديني والفكري، ومنعاً لاستغلال ذلك من غير المسلمين.

سادساً: إن الفتوى بالردة أو التكفير مردّها إلى أهل العلم المعتبرين، مع تولي القضاء ما اشترطه الفقهاء من الاستتابة وإزالة الشبهات خلال مدد الإمهال الكافية تحقيقاً للمصلحة الشرعية المعتبرة.

سابعاً: المجاهرة بالردة تشكل خطراً على وحدة المجتمع الإسلامي وعلى عقيدة المسلمين وتشجع غير المسلمين، أو المنافقين، لاستخدامها في التشكيك، ويستحق صاحبها إنزال العقوبة به من قبل القضاء دون غيره، درءاً لخطره، وحماية للمجتمع وأمنه، وهذا الحكم لا يتنافى مع الحرية الدينية التي كفلها الإسلام لمن يحترم المشاعر الدينية وقيم المجتمع والنظام العام.

ويوصي بما يلي:

•مطالبة الحكام المسلمين بتوفير حاجات أبناء المجتمع الرئيسة ومنها الحرية المسؤولة، وتوفير الغذاء والسكن والعلاج والتعليم وفرص



124



العمل، وسائر الحاجات التي تحصن الجيل من المؤثرات الإغرائية المادية وغيرها مما يستخدم لترويج الأفكار المناهضة لقيم الإسلام.

والله أعلم

عرض مختصر للحوار الدائر حول الردة في الفضاء الفكري الشيعي:

إن تاريخ المسائل الفقهية واحد من أهم مراجع ومصادر الفقيه بما يحمله هذا التاريخ من اختلاف في النظرة والحكم ويساعد في فهم منشأ الحكم. ولذلك لا ينبغي عد اختلاف الفقهاء عيباً ما دام واقعاً في دائرة مبانيهم الاجتهادية وهو بالأحرى أن لا يكون سبباً لرفع اليد عن أصل الحكم كما في مسألتنا وفق ما يذهب إليه بعضهم معتبراً أن هذا الإختلاف دليل على عدم وجود أصل نقلي للحكم الدنيوي على المرتد.

وكذلك لا نعيب على الفقهاء أن يعيدوا النظر في مسألة كمسألتنا ولو بطلب من القيادات السياسية وتبعاً لتوصيات الحكومات الإسلامية وحتى الغربية، لكن ما نعيبه على بعضهم هو أن يسيروا في ركابها فيتحكموا في الإفتاء بما يرضيها ولو خلافاً لقناعاتهم الفقهية. هذه المقدمة ضرورية هنا وفي المحور الثالث من الورقة وهو المقاربة النقدية.

يلاحظ الناظر في تاريخ مسألة الردة إمكانية تقسيمه على أكثر من أساس للقسمة. والذي يفيدنا في مقام البحث هنا ربطاً بين الحرية الدينية وأحكام الردة هو ما أشرنا إليه في بداية البحث عن تعرض بعض أحكام الحدود وبعض الأحكام الأخرى ومنها ما يتعلق بالأحوال



125



الشخصية إلى مراجعة نقدية من المسلمين وغيرهم على خلفيات متعددة ومتباينة منذ تأسيس عصبة الأمم المتحدة8 وانضمام الدول الإسلامية إليها تباعاً, وفي نفس السياق يأتي انضمام الدول الإسلامية إلى المنظمات الإقليمية والدولية الأخرى بما فيها منظمة المؤتمر الإسلامي.

إن المراجعات النقدية الناشئة بعد هذا التاريخ لا يمكن تجريدها بأي حال من تأثير قرارت هذه المنظمة والدول الكبرى الصانعة لتوجهاتها- كما المنظمات الأهلية الرديفة- خصوصاً في موردي الحريات والحقوق. ولذلك أقترح أن يكون تقسيم تاريخ مسألة الردة مبنياً على هذا الأساس ما يمكننا من البحث عن قديم ما ورد فيها وهو ما قبل ذلك التاريخ , وجديده وهو ما بعده , ويضاف من جهة اعتبارية أخرى ما نسميه القديم الجديد وهو المشترك بينهما لكن باختلاف في دافع البحث واختلاف في أسلوب المقاربة العلمية.

إلى هنا يكون كلامنا عاماً في في الفضاء الفكري الإسلامي ومنه ننعطف إلى الفضاء الخاص الشيعي:

تتميز الحوزة العلمية الشيعية بالحركة البحثية المستمرة وعدم الركون إلى المشهور من الفتاوى. وإذا أمكن ملاحظة سطوة علمية



126



لأحد عمالقة الفقه والأصول فلم تعدم الحوزة من يأتي بعده ببرهة ليكسر هذه السطوة الشيخ الطوسي وإبن إدريس مثلاً ويمكن للمتتبع ملاحظة انعطافات حادة في مسار الأحكام الشرعية بين فترة وأخرى سواء بلحاظ تغيُّر تقويم الدليل أو بفعل تأثير المكان والزمان- حيث يتسع المقام- كما في مسألة طهارة الكتابي أو الطواف والصلاة خلف مقام ابراهيم عليه السلام في الحج. وهذا لايعني بحال من الأحوال أن هذه الانعطافة لا تلقى مواجهة قاسية من مدعي القداسة كما أسماهم الامام الخميني قدس سره , ولكن خلال الزمان الذي تستنفده الفتاوى الجديدة إذا صح التعبير من لحظة تقديمها من المجتهد في بحثه الخارج ومجلس المذاكرة ومجموعة البحث الفتوائي الخاصة به تكون قد تعرضت لمراجعة كافية لحسم أمره وإظهار رأيه حيث يجب عليه ذلك, وبالتالي تحَََََمُّلُ ما يرد عليه.

يتبع

الرد مع إقتباس
قديم 10-07-2018, 07:37 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط وفعّال
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 2,025

آخر تواجد: 13-07-2018 07:28 PM

الجنس:

الإقامة:

وفي مسألتنا يمكن ملاحظة عناوين كثيرة للاختلاف بين علماء الشيعة أنفسهم فضلاً عن الإختلاف بينهم وبين علماء السنة، ولذلك سنقدم بياناً للفوارق والمشتركات الرئيسية بين السنة والشيعة بملاحظة خصوصية ارتباطها بقضية الحرية لأنها محور بحثنا دون عرض الأحكام الفقهية كلها, وقُيدت المشتركات بالرئيسية لأنه حتى في هذه لا يوجد إجماع لدى الفريقين بحيث يعدم المخالف قلَّ أو كثر. ثم نستعرض عناوين النقاش الشيعي ضمن الأقسام الثلاثة التي حددناها بالقديم والجديد والمشترك.



127



بين السُنَّة والشيعة:

يتفق السُنَّة والشيعة على تقسيم المرتد إلى فطري وملي، فالأول هو من ولد مسلماً بالتبعية والثاني هو من أسلم بعدما كان غير مسلم.

يفرِّق الشيعة بين حكم المرتد الفطري والمرتد الملِّي في الذكور فيقولون بوجوب استتابة الثاني دون الأول فإن تاب قبل منه وإلا صار حكمه كالفطري: القتل , ولا يسري هذا التقسيم عند السنة إذ يقولون بالاستتابة فيهما ثم يختلفون في الاستتابة على أقوال. على أن ثمرة التقسيم إلى ملِّي وفطري تظهر عند السنة في فروع أخرى.

وأما في النساء فيشترك السنَّة والشيعة في الحكم بحبسهن واستتابتهن.

يقول الشيعة بخروج مال المرتد الفطري عن ملكه بالردة وببقائه في الملِّي فتصرفاته صحيحة وللسنة في الأخير أقوال.

يقول الشيعة بأن ما ملكه المرتد حال إسلامه وبعد كفره سواء في أنه لورثته المسلمين ويفترق السنة بين من صيَّره كله فيئاً أو خصوص ما اكتسبه بعد كفره.

قال الشيعة السكران لا يحكم بإسلامه عن كفر حال سكره ولا بكفره وارتداده عن الإسلام , وقال الشافعي بخلافه وفرَّق أبو حنيفة بين العقود الصادرة عنه فأمضاها لأنها لا تحتاج الى أكثر من النية بخلاف الإيمان فإنه يحتاج إلى نية واعتقاد , وقال الشيعة إنهما يحتاجان إليها



128



جميعاً فضلاً عن كون نقل الحكم من بقائه على أصل الإسلام أو الكفر يحتاج إلى دليل.

قال الشيعة بأن المرتد الذي يستتاب يقُتل في الرابعة لقولهم بذلك في مرتكب الكبيرة , وقال السنة باستتابته أبداً واختلفوا في الحبس والتعزير.

نقاط الخلاف الأساسية القديمة بين علماء الشيعة:

تعريف المسلم الفطري.

العلاقة بين الردة وبين بعض العناوين العملية كاستحلال الحرام أو الفكرية كإنكار الضروري من الدين أو الاجماع , أو الملازمة بين الجحود والكفر.
العقوبة حد أو تعزير؟ وطبيعة كل منهما.

من يتولى مباشرة العقوبة؟

قضية الحرية والإرادة والمشيئة وما إليها من مباحث.

حكم الشك أو الإنكار وكيفية تعيين الضروري من أمور الدين ومدى اعتبار الإجماع في المسائل العقائدية.
الردة الجماعية

نقاط الخلاف الأساسية الجديدة بين علماء الشيعة:

التفرقة بين الارتداد وتغيير العقيدة، عدم الاعتقاد أو الاعتقاد بالعدم.



129



التفرقة بين الإسلام الكشفي والاعتباري ودخالته في مفهوم المرتد الفطري.

خطأ المستند باعتبار التعارض مع الحرية وعدم وجود دليل قرآني من جهة والاعتماد على أحاديث الآحاد من جهة أخرى.

الحكم على المرتد شرعي أو سياسي؟

تناقض مع التشريعات والمواثيق الدولية.

رفض مصطلح " المرتد الفطري" لأنه مبني على أمر قهري وهو الحكم بالإسلام.

التمييزفي الحالات المعروفة زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم واعتبار المسألة جريمة سياسية واجتماعية.

البحث عن الحرية الدينية هل هي حق أو حكم؟

تقسيم العالم إلى دار اسلام ودار كفر وإضافة دار ردة عليهما.

نقاط الخلاف المشتركة بين القديم والجديد بين علماء الشيعة.

حرية اتخاذ الدين والعقيدة في الإسلام ابتداءاً واستمراراً أو ابتداءا ًفقط وتعارضها مع التهديد بالقتل حال العدول.

إقامة الحدود في غيبة المعصوم.

من هو المسلم؟

العلاقة بين الإنكار والجحود.

حكم ذرية المرتدين ونسائهم وأبنائهم بعد قيام الدولة الإسلامية في قطر معين.



130



مقاربة نقدية للنقاش في قضية الردة وارتباطه بقضية الحرية الدينية:

يجمع علماء المسلمين على عدم اعتبار الاعتقاد بغير الإسلام جريمة يعاقَب عليها الإنسان في الحياة الدنيا , وعلى أصالة الحرية الدينية تبعاً للنصوص القرآنية والأحاديث النبوية , وأن التوصيف الحقوقي لغير المسلم في المجتمع المسلم خاضع لسلَّم وظائف إجتماعية لا علاقة له بمسألة تقويم الاعتقاد الديني عرضاً على الاعتقاد الإسلامي بل هو من مقتضيات التوصيف المرتبطة بالمواطنية في دار الإسلام.

إذا سلَّمنا بهذا ونظرنا إلى النقاش الدائر في مسألة شبهة التعارض بين الحرية الدينية وأحكام الردة وإصرار بعضهم على التخلص من أحكام الردة رأساً في محاولة للتوفيق بين الإسلام ومقتضيات "حقوق الإنسان وحرياته" بمفهومها الغربي وما يتعلَق به من اتفاقيات وعهود وقوانين فإننا نرى في هذه المحاولة تعسفاً لا مبرر له علمياً أو موضوعياً.وبيان ذلك أن قضية الردة - كما غيرها من القضايا - يمكن مناقشتها وقد نوقشت فعلاً في اتجاهات عدة دون الوصول إلى مقام التناقض أو التعارض مع قضية الحرية وإلا لوجدنا أنفسنا في مقام إسقاط أكثر أحكام الإسلام تحت سطوة هذه الشبهة خصوصاً في قضايا المرأة والأحوال الشخصية الأمر الذي لا يريده ولا يرضاه مسلم.

الاتجاه الأول: هو الذي يعمل على إعادة النظر في مفهوم "الردة"



131



الفقهي - الحقوقي تضييقاً وتوسيعاً ولوازم كل منها, ومحاولة بعضهم التفريق بين الردة وبين تغيير الدين بما يدفع الحاجة إلى تضييق مفهوم الردة أصلاً.

الاتجاه الثاني: هو الذي يعمل على إعادة صياغة مفهوم الحرية الدينية من خلال منهج تكاملي كلامي فقهي، حيث يلاحظ أن أكثر المفسرين للقرآن الكريم لم يربطوا بين الآيات التي تعلن حرية الاعتقاد وعدم الإكراه فيه مع أحكام الردة حتى في خصوص آية من يرتد.

الاتجاه الثالث: هو الذي يعمل على إعادة النظر في تصنيف جريمة الردة وموقعها بمعنى هل هي معصية نفسية ذاتية أو اعتداء على الأمن الاجتماعي مع كونها كذلك؟

خلاصة:

بملاحظة النقاش المنشور في المسألة على المستويين السني والشيعي وخصوصاً النقاش المستجد توقفت عند الملاحظات التالية:

لم يتم استقصاء موارد الردة من القرآن الكريم والسنة والسيرة النبوية وسيرة الخلفاء وإجماعات الفقهاء في بحث مستقل وكامل، فضلاً عن استعراض الجانب التاريخي أعني مواردها في تاريخ الدولة الإسلامية منذ الدولة الأموية إلى يومنا هذا.

ندرة الكتابة النقدية لتأريخ حروب الردة فضلاً عن حصرها بحروب



132



الخلافة الأولى بينما نعلم أن الإمام علياً قد حارب المرتدين والقاسطين والمارقين ولم تتسم هذه باسم حروف الردة.

غياب المنهج التكاملي عند أغلب الباحثين والفقهاء ما أدى إلى ندرة الاستفادة من النظرة الكلامية وإنحصار المناقشة بالجانب الفقهي عند الفقهاء.

استخدام بعضهم أكثر من منهج بصورة غير محددة المعالم ما أثار ارتباكاً في الفهم كما في استخدام عنوان "الكفر" لمن جحد الإمامة أو أحداً من الأئمة.

تفرق المسائل المتعلقة بالارتداد على الأبواب الفقهية المختلفة تبعاً لمشكلة تصنيف الأبواب الفقهية عدا ما وجدته عند الشيخ محمد علي الأنصاري والذي لم يتم كما أشار هو نفسه في موضعه.

ندرة المعالجة الجديدة والبناء على القديم في مسألة حكم أبناء المرتدين بعد قيام دولة إسلامية إلا ما وقع إثر بعض الحوادث في إيران وأفغانستان ومصر والأردن والسعودية وما حكي عن اتجاه لتجديد النظر في المسألة في سوريا.



133






هوامش



1- مستدرك الوسائل - الميرزا النوري - ج 5 - ص 82
2- على أن الحكم بوجوب قتله كان إضافة للحكم بالردة استناداً إلى إعتباره ساباً للنبي ومفسداً مصراًعلى موقفه
3- سجالات حادة وساخنة، حول الحريات الدينية، وتحديدًا حد الردة وتطبيقه، شهدتها الجلستان المسائيتان لمجمع الفقه الإسلامي الدولي في اليوم الأول من دورته التاسعة عشرة، والمنعقدة في الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة.... من 30 إلى 26 أبريل 2009م.
المناقشات زادت سخونة حين لمز بعض المتداخلين طرح هذا الموضوع على بساط البحث معتبراً أنه استجابة لضغوط غربية تتعرض لها الدول الإسلامية، جعل د. عبد السلام العبادي- الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي الدولي- يكشف النقاب عن أن سبب المناقشة هو طلب كثيرين من وزراء خارجية الدول الإسلامية مناقشة هذا الأمر في المجمع بحسبانه مرجعية فقهية عليا للدول الإسلامية..صحيفة الحياد الالكترونية 28-4-2009
4- كان ذلك على أيدي جماعة قال عنهم د. محمد سليم العوا: يطلق الغربيون على الباحثين الذين يحاولون عرض أحكام الإسلام بطريقة لا هدف لها إلا إرضاء الشعور الغربي – أو ذلك هدفها الأساسي - لفظ Apologists الإعتذاريون وعلى طريقتهم في البحث Apologetic الإعتذارية.
5-وهذا يجر إلى الكلام عن موقف النبي في صلح الحديبية مع مشركي مكة، عندما قال له سهيل بن عمرو: «على أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا , ومن جاءنا ممن معك لم نرده عليك فقال المسلمون سبحان الله كيف يرد إلى من جاءهم منا فأبعده الله , ومن جاءنا منهم رددناه إليهم,فلو علم الله الإسلام من قلبه جعل له مخرجاً» وما كان من قصة أبي بصير وأبي جندل بن سهيل وهو ما سنتعرض له لاحقاً.
6- الموسوعة الفقهية الميسرة - الشيخ محمد علي الأنصاري - ج 2 - ص 41
7- كما يسجل عليه محسن كديور الذي يتجاهل عن عمد مجموعة من المواد ذات الصلة والتي ترتدي طابعاً دستورياً أدرجناها في النص في ما إن موارد ملاحظته هي قضائية بحتة.
8- التي ضمت عند تأسيسها عدداً من دول العالم الإسلامي وعدداً آخر منها لاحقاً بعد إستقلالها, ما يعني التزام حكومات هذه الدول بمواثيق وقرارات وهيئات هذه المنظمة الأمر الذي رتب تأثيراً على دساتيرها وأحكامها القضائية والتزاماتها الإقليمية والدولية بغض النظر عن كيفية معالجته.


يتبع

الرد مع إقتباس
قديم 10-07-2018, 07:37 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط وفعّال
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 2,025

آخر تواجد: 13-07-2018 07:28 PM

الجنس:

الإقامة:

الحرية بين منطومتي القيم الدينية والمادية
الشيخ محمد زراقط
تمهيد:
جرت العادة على البدء بتعريف المفاهيم قبل الخوض في اقتراح المواقف ومناقشتها وتبنّيها. وأسمح لنفسي بالسير على الخط نفسه، مع قناعتي المسبقة بأنّ التعريف في كثير من الأحيان ليس سوى محاولة تكشف عن رؤية المعرِّف إلى الشيء المعرَّف، من زاوية خاصة هي الزاوية التي يقف فيها الدارس وينظر إلى الظاهرة من خلالها، فإنّ بعض الظواهر المادية قد تتباين الرؤى حولها وتختلف إلى حدود يصعب ردم الهوة الفاصلة بين الرؤيتين أو الرؤى المتعددة المطروحة حولها. فالصور التي تؤخذ بالرنين المغناطيسي لا تعني لمن لا يعرف فكّ رموزها سوى شرائح من البلاستيك موشّحة بالسواد والبياض، بخلاف تقني الأشعة الذي أخذ هذه الصور والطبيب الذي يتعامل معها ويحلّلها. ويزداد الأمر تعقيداً عندما يكون المفهوم المراد تعريفه ذهنياً مرتبطاً بالنفس الإنسانيّة وتصوّراتها. وعلى أيّ حال ورغم هذا المطلع الداعي إلى اليأس، إلا أنّ نقطة ضوء تشرق من آخر النفق تدعوني إلى
135
الإحساس بجدوى بذل الجهد في التعريف، وهي أنّ التعريف إن لم يوضح حقيقة الظواهر والمفاهيم بحسب ما هي عليه في علم الله، فإنّه على الأقلّ يساعد على توضيح الصورة التي يحملها فرد أو جماعة حول فكرة من الأفكار أو موضوع من الموضوعات ويطلقون عليها أحكامهم. وما نحن بصدد تعريفه مفهومان هما: الحرية والقيم، والدين. أمّا البحث عن تعريف الحرية والقيم فسببه واضح، وأمّا البحث عن تعريف الدين في مثل هذه المداخلة فداعيه هو السؤال الآتي: هل من حقّ الدين ومن صلاحيّاته أن يكون مرجعاً لبيان القيم، أم أنّ القيم لها مرجعيّة أخرى تقع خارج جغرافيا الدين ودائرة عمله؟ ويختلف الجواب عن هذا السؤال باختلاف النظرة إلى الدين، والاختلاف في تعريفه.
تعريف الحرية:
يبدو أنّ التعريف المتداول في الفقه الإسلامي بعيد إلى حدّ كبير عن المفهوم المتداول في الأدبيات السياسيّة المعاصرة، فالحريّة في التراث الفقهيّ الإسلاميّ هي المعنى المقابل للعبوديّة، وهذا المعنى يمكن الوصول إليه بيسر وسهولة رغم التقسيمات التي ذُكِرت للعبيد ورغم الاختلاف بين هذه الأقسام في الأحكام. فيمكن تحديد الحرّ بأنّه الإنسان غير المملوك لإنسان آخر. هذا ولكن الحريّة المبحوث عنها في الفكر المعاصر تتضمّن دلالات لا يحقّقها ما يدعو إليه الإسلام من تحريرٍ للعبيد في التشريعات الفقهيّة الإسلاميّة بل الحريّة المرادة هي حرّية
136
الأحرار وليست حرّية العبيد. ومن هنا، لا بد من البحث عن مفهوم آخر يمكن أن يدخل في محل بحثنا، فهل يمكن العثور على الحرية بمعناها المعاصر في ثنايا التشريعات والمواقف الإسلاميّة في العلوم المختلفة؟
وهذا ما يدعونا إلى التساؤل عن المعنى المراد بالحريّة في الفكر المعاصر وبخاصة الغربي منه لنرى مدى ضمان الفكر والثقافة الإسلاميين له. وهنا تظهر الإشكاليّة الأبرز, حيث يرى بعض الكتاب أنّ الحريّة مفهوم بسيط لا يحتاج إلى تعريف، فهذا المفهوم يعني، ببساطة، قدرة الإنسان على فعل ما يريد، ويرى آخرون أنّه مفهوم معقّد لا يمكن القبض على تعريفه بسهولة ويسر، ومن هؤلاء الشيخ محمد رضا المظفّر الذي يقول: "...قد يتبع الجدليون والساسة عن عمد وحيلة ألفاظاً خلابة غير محدودة المعنى بحدود واضحة، يستغلّون جمالها وإبهامها للتأثير على الجمهور، وليتركوا كلّ واحد يفكر فيها بما شاءت له خواطره الخاطئة أو الصحيحة، فيبقى معنى الكلمة بين أفكار الناس كالبحر المضطرب، ولهذا تأثير سحري عجيب في الأفكار. ومن هذه الألفاظ كلمة الحرية التي أخذت مفعولها من الثورة الفرنسيّة، وأحداث الانقلابات الجبارة في الدولة العثمانية والفارسية، والتأثير كله لإجمالها وجمالها السطحي الفاتن، وإلا فلا يستطيع العلم أن يحدّها بحدٍّ معقول يتفق عليه"1.
137
ويقول آخر: "على الرغم من أنّ الحرية قيمة من القيم القليلة التي أجمعت البشرية على الإيمان بها، إلا أنّ المشكلة الكبرى هي في الوصول إلى التعريف بالحرية إلى معنى واحد متفق عليه"2.
ومن خارج المجال الإسلامي يمكن أن نشير إلى تعريفين للحرية يساهمان في جلاء الصورة وبيانها بحدود ما تسمح به قدراتنا على التعريف، يقول مونتسكيو: " لا تجد كالحريّة كلمة دلت على معان مختلفة وشغلت النفوس بأساليب مختلفة، فرأى بعضهم أنّها تنطوي على سهولة عزل من عهدوا إليه بسلطان طاغٍ، ورأى آخرون أنّها تنطوي على حقّ انتخاب من يجب عليهم أن يطيعوه، ورأى أناس غيرهم أنّها تنطوي على حقّ التسلّح والقدرة على ممارسة العنف، ورأى شعب خلال مدة طويلة أنّها تنطوي على عادة إطلاق اللحى.."3.
ويتابع مقدّماً تصوّره هو للحرية فيقول: "حقاً إنّ الشعب في الديمقراطيّات يصنع ما يريد كما يظهر، غير أنّ الحرية السياسيّة ليست في أن يفعل المرء ما يريد مطلقاً، ولا يمكن الحرية في الدولة، أي في المجتمع ذي القوانين، أن تقوم على غير القدرة على صنع ما يجب أن يراد وعلى عدم الإكراه على صنع ما لا يجب أن يراد، ويجب أن ينقش في الذهن ما هو الاستقلال وما هي الحرية، فالحرية هي
138
حق المرء أن يفعل كل ما تبيحه القوانين، فإذا كان لأحد الأهلين أن يفعل ما تحرّمه القوانين فقََدَ الحريةَ, وذلك لإمكان قيام الآخرين بمثل ما فعل"4.
ويقول إيزايا برلين في سياق حديثه عن مفهومين للحرية يسمّي أحدَهما الحرية بالمعنى السلبيّ والآخر الحرية بالمعنى الإيجابيّ: "إنّ الإكراه يتضمّن تدخلاً متعمّداً من قبل عدد من الناس ضمن ذلك المجال الذي أتمتّع فيه بحريّة العمل... ومجرد عدم القدرة على تحقيق هدف لا يعني فقدان الحرية السياسيّة أو الافتقار إليها"5. ثمّ يتابع قائلاً: "وتبقى الحقيقة واضحة فحرية البعض تستلزم تقليص حرية الآخرين. ولكن بموجب أي مبدأ يتم هذا؟ فإذا كانت الحرية شيئاً مقدساً ومبدأ لا يمسّ، فلا يمكن أن يكون هناك ما يبرّر التلاعب بها. لا بدّ إذن من أن يقدّم بعض من هذه القيم والمبادئ المتناقضة شيئاً من التنازلات لا للأسباب التي يمكن ذكرها بوضوح فحسب، وإنّما لتلك التي تأخذ شكل أنظمة وأحكام عامة. ومع كل ذلك تبقى هناك ضرورة للتسوية العملية"6.
وعلى ضوء هذه التعريفات أسمح لنفسي باستنتاج ما يأتي:
إنّ الحرية أمرٌ نسبيٌّ ينبع في جوهره من الذات الإنسانيّة وإحساسها
139
بأنّ هذا الأمر أو ذاك مفروض عليها من الخارج، أو هو خيار داخلي نابع من الذات الإنسانية نفسها، فلا يشعر أحدنا مثلاً بأنّه ممنوع من الطيران إذا كرّر تجربة عباس بن فرناس وأصابه المصير نفسه، كما قرأنا جميعاً على مقاعد الدراسة.
لا مجال للحديث عن الحرية بمعناها المطلق المجرّد من أيّ قيد من القيود الأخلاقية أو القانونية أو الطبيعيّة، فالحرية تحت الشمس مفهوم نسبي, لأنّ الإنسان الخاضع لقيود الزمان والمكان، على الأقل، لا بد من أن تكون حريته مقيّدة بحدود الزمان والمكان.
من مقتضيات ولوازم نسبية مفهوم الحرية، تعارضه بحسب الأشخاص، فما هو حرية لرب العمل مثلاً هو استغلال للعامل، وما هو حرية للحاكم هو استبداد من وجهة نظر المحكوم والمواطن، وما هو حرية للمواطن قد يكون فوضى من وجهة نظر القائم على حفظ النظام وضبط الأمن، والأمر عينه يقال عن الأب والابن وغيرهما من الأطراف الذين تتضارب مصالحهم وتتعارض أو تتكامل.
على ضوء ما تقدم يبدو أنّ السؤال الأساس هو عن المنظومة الصالحة لتقييد خيارات الفاعل الإنساني سواء كان يخوض في ميدان المجتمع أو يعيش وحده على جزيرة معزولة كحي بن يقظان أو صديقه.
وهذا ما يدعونا إلى البحث عن تعريف القيم.
140
تعريف القيم:
عُرّفت القيم في الاصطلاح بعدّة تعريفات منها: إنّ القيم هي: "مستوى أو مقياس أو معيار نحكم بمقتضاه ونقيس به ونحدّد على أساسه المرغوب فيه والمرغوب عنه"7. وعرّفت بأنّها: "القواعد التي تقوم عليها الحياة الإنسانيّة وتختلف بها عن الحياة الحيوانيّة كما تختلف الحضارات بحسب تصورها لها"8. والقيم كما في محاولة أخرى لتعريفها هي مجموعة: "تصوّرات توضيحيّة لتوجيه السلوك، تحدّد أحكام القبول أو الرفض، وهي تنبع من التجربة الاجتماعيّة وتتوحّد بها الشخصيّة، وهي عنصر مشترك في تكوين البناء الاجتماعيّ والشخصيّة الفرديّة، وقد تكون واضحة تحدّد السلوك تحديداً قاطعاً، أو غامضة متشابهة تجعل الموقف ملتبساً مختلطاً. وهي المعتقدات التي يحملها الفرد نحو الأشياء والمعاني وأوجه النشاط المختلفة والتي تعمل على توجيه رغباته واتجاهاته نحوها، وتحدّد له السلوك المقبول والمرفوض والصواب والخطأ وتتّصف بالثبات النسبيّ. وتصنّف القيم بتصنيفات مختلفة تتبع المجال الذي تعمل فيه، والمضمون الذي تحمله وهكذا، فهناك قيم سياسيّة وأخرى جماليّة وثالثة اجتماعيّة ورابعة فرديّة وخامسة دينيّة وهكذا9.
141
ويبدو مفهوم القيم أقلّ غموضاً من مفهوم الحرية، ولكن السؤال الأهم في ميدان القيم هو في المرجعية الصالحة لاستخراج القيم، وفي البحث حول الحرية وهل هي قيمة من القيم أم هي شيء آخر؟
الحرية وموقعها من منظومة القيم:
إذا كانت القيم هي مجموعة من المعايير التي توجّه السلوك الاجتماعي وبالتالي تضبط حركة الإنسان وتصرفاته الفردية والاجتماعية، فإنّ الحرية لا ينطبق عليها مفهوم القيمة، وهي على الرغم من أهميتها إلا أنها ليست ذات مضمون محدد عندما ينظر إليها وحدها، بل تكتسب معناها من الغاية التي يريد الإنسان الحرّ تحقيقها، يقول الشهيد الصدر في هذا المجال: "...إنّ الحرية بمعنى كسر القيود عن هذا الإنسان، هذا ليس قيمة من القيم هذا إطار للقيم، ولكن هذا وحده لا يصنع الإنسان، أنت لا تستطيع أن تصنع الإنسان بأن تكسر عنه القيود وتقول له افعل ما شئت، هذا وحده لا يكفي فإنّ كسر القيود إنّما يشكّل الإطار للتنمية البشريّة الصالحة، يحتاج هذا إلى مضمون إلى محتوى، فمجرّد أنّه يستطيع أن يتصرّف، يستطيع أن يمشي في الأسواق هذا لا يكفي، أمّا كيف يمشي وما هو الهدف الذي من أجله يمشي في الأسواق؟ المحتوى والمضمون هو الذي فات الإنسان الأوربي، الإنسان الأوربي جعل الحرية هدفاً وهذا صحيح, ولكنّه صيّر من هذا الهدف مثلاً أعلى بينما هذا الهدف ليس إلا إطار في
142
الحقيقة وهذا الإطار بحاجة إلى محتوى وإلى مضمون... وإذا جُرِّد هذا الإطار عن محتواه سوف يؤدّي إلى الويل والدمار، إلى الويل الذي تواجهه الحضارة الغربيّة اليوم التي صنعت للبشريّة كلّ وسائل الدمار, لأن الإطار بقي بلا محتوى بقي بلا مضمون..". .10 الحرية إذاً وفق هذه الرؤية لا تعبّر عن قيمة مستقلة، وإن كانت ذات أهمية لا تنكر في الفكر الإسلامي الذي اعترف بالحرية في مجالات عدة سوف نشير إليها لاحقاً.
وفي مقابل هذا الموقف الذي يتبنّاه الشهيد الصدر من مفهوم الحرية، نجد موقفاً فقهياً يتبنّاه بعض الفقهاء حاصله: أنّ الحرية قيمة ومعيار ليس للسلوك الفردي وحده، بل للسلوك الفقهي والفكري، أو بحسب التعبير الفقهيّ هي مقصد من المقاصد العامّة للشريعة التي يجب على الفقيه مراعاتها والتجوال ضمن حدودها بحيث لا يصدر عنه فتوى تخالفها. ومن هؤلاء الفقيه المغاربي الطاهر بن عاشور الذي يرى أنّ الحرية هي أحد المقاصد الشرعيّة. وذلك أنّه يتحدّث عن المعاني المتداولة في الشريعة للحرية سواء بلفظها أم بمعناها ومدلولها ويؤكّد أنّ الشريعة تريد الحرية وتدعو إليها، ويشير إلى ما هو معروف من الحرص الإسلامي على فتح أبواب التحرّر في وجه العبيد من خلال مجموعة من التشريعات في مجال الزكاة، وكفارات الإفطار، الظهار،
143
القتل... والإرث، والمكاتبة، والتدبير... ومن خلال: "استقراء هذه التصرّفات ونحوها حصل لنا العلم بأنّ الشريعة قاصدةٌ بثّ الحرية بالمعنى الأوّل المقابل للعبودية"11
وأمّا الحريّة بالمعنى الثاني أي إطلاق يد المرء في التصرف في شؤونه دون ممارسة عسف سلطة خارجية عليه، فهي مراد شرعي من وجهة نظر ابن عاشور أيضا. والشريعة تقصد إلى إطلاق يد الإنسان في التصرّف، وذلك لوجود كثير من المؤشّرات الدالة على هذا الميل الشرعي، ويستعرض مجموعة من الآيات وعدداً من الأحكام الشرعية التي توحي بأنّ الشريعة تريد للإنسان أن يكون حراً ومن ذلك الآيات الدالة على حرية المعتقد، وحرية القول ولو من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما ويستشهد بسعة دائرة المباح في الشريعة، بل يرى أنّ الأصل جواز التصرف في شؤون الآخرين ما لم يؤدِّ إلى الضرر بهم. ويبني على ذلك كلّه أنّ الحرية مقصد سادس ينضمّ إلى سائر المقاصد التي اكتشفها الغزالي ونظّر لها الشاطبي وغيره بشيء من التفصيل12.
مناقشة ابن عاشور:
ولا شكّ أنّ الحريّة أمر تريده الشريعة وتقرّه ضمن حدود لا بأس بها
144
قد لا تختلف عن الحريات التي يدعو إليها أكثر دعاة الحرية تحرراً، فما من ميدان من ميادين السلوك الإنساني تنكر الشريعة حرية التصرّف الإنساني فيه بالكامل، ويكفي لإثبات ذلك تسريح الفكر في هذه الآيات:
﴿...فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾13 حرية التفكير
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِين﴾14 حرية المشاركة السياسية، وحرية التعبير
﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾15 حرية المعتقد
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ﴾16 ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ
145
وَسَاءتْ مَصِيرًا﴾17 حرية الإقامة، والتنقل ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُور﴾18 حرية العمل والكسب.
ولكن السؤال الأساس الذي يواجه ابن عاشور هو: هل الحرية هي المقصد أم المقاصد هي حدود وقواعد عامة تضعها الشريعة لتضبط السلوك الفقهي لكي لا يتجاوز حدود ما يريده الله ويندب الإنسان إلى تحقيقه؟ يبدو لي أنّ الحرية هي فرصة متاحة للعمل ضمن الحدود التي تسمح بها الشريعة وتندرج تحت القواعد العامّة التي يسمّيها الفقهاء بالمقاصد. ولنسمّها هنا ولو بشيء من التسامح بالقيم.
وبعبارة أخرى لا بد من التمييز بين المقاصد وبين الأمور التي يريدها الشارع، فالحرية أمر تريده الشريعة دون شك، وقد شرعت الأحكام للحفاظ على حرية الإنسان وحمايتها، ولكن هذا شيء وكون الحرية مقصداً شيء آخر، فالصلاة مقصودة للشريعة ويريدها الشارع ولكنها ليست مقصداً. فالمقاصد هي الإطار العام الذي يجب على الفقيه أن يدور داخله ولا يتجاوز حدوده.
والحرية مفهوم نسبي مرتبط بكثير من التشريعات القانونية والأخلاقية التي تحده، وليس هذا خاصاً بالإسلام وحده، بل كل القوانين هي محاولات لتنظيم الحرية ووضع حدود لها. وما دامت الحرية في كل
146
المذاهب والاتجاهات الفكرية محدودة بحدود منظومة القيم التي يسمح بها هذا الاتجاه أو ذاك ويتبنّاها، فلننتقل إلى البحث عن المرجعية الصالحة لاستخراج القيم في الإسلام والفكر الإسلامي.
القيم في الإسلام المرجعية والنماذج:
لما كانت القيم في الإسلام هي معايير للسلوك والحكم فإنّ استخراجها يخضع لنفس الضوابط التي تخضع لها عمليّة استخراج سائر الأحكام حتى تلك التي لا ترقى إلى مستوى صدق انطباق مفهوم القيم عليها. فكما يجب ضبط السلوك على إيقاع القرآن والسنة والعقل والإجماع، كذلك يجب تأسيس منظومة القيم على ضوء مصادر التشريع هذه. وخلاصة القول في هذا المجال هي إنّ النظرة إلى الدين هي التي تسمح لنا بعدّ الدين والنص الديني مصدراً لاستخراج نظام القيم ومعايير السلوك، فتارة ننظر إلى الدين بوصفه ناظماً للعلاقة بين الإنسان وربّه، وأخرى نرى فيه مؤسساً لعلاقة بين أطراف أربعة تشكل المجتمع الإنساني كما يراه الشهيد الصدر مثلا، وهذه الأطراف هي: الله، والنفس، والإنسان الآخر، والطبيعة.
وهذه هي أولى مواطن الاختلاف بين الإسلام وغيره من الأديان، وبين الإسلام وبين الاتجاهات والمذاهب المادية. وهذه الرؤية هي التي تسمح للدين بالدخول على خطّ التشريع في هذه المجالات المشار إليها، وتأسيس القيم فيها. وأمّا حول دور العقل في مجال اكتشاف القيم
147
الصالحة لضبط حرية الإنسان، فالخلاف بين الإسلام وغيره ليس سوى في سعة هذا الدور وضيقه، وأما أصل صلاحية العقل الإنساني لاكتشاف القيم فهو محل قبولٍ وفقاً لقاعدة التطابق بين حكم العقل وحكم الشرع التي يقرها الفقه الإمامي ويعترف بها في مجال استنباط الأحكام الشرعية، وإن كانت هذه القاعدة تستحقّ مزيداً من النقاش والبحث في مجال أصول الفقه وفلسفته. وربما كان دور العقل في مجال اكتشاف الأحكام الشرعية أكثر فعالية لولا خشية فقهية ملحوظة من التورط في القياس. ولعله يصدق على الفقهاء أنهم تركوا كثيراً من تطبيقات الدليل العقلي خشية الوقوع في القياس كما تركوا كثيراً من الكسب الحلال خشية الوقوع في الربا.
وعلى ضوء هذه النظرة إلى المجتمع الإنساني تتأسس منظومة القيم الإسلامية، وبحسب مؤداها تتولد قيود الحرية، ولا يمكن في مثل هذه المقالة خوض غمار الحديث عن التفاصيل على سعتها، ولذلك سوف أصرف ما بقي لي من مجال للحديث حول الضوابط العامة لمنظومة القيم الإسلامية، وأكتفي بالإشارة إلى بعضها إن يسعف الجد لجمع أطرافها.
1- الهدف: الضابطة الأولى أو الناظم الأول لتأسيس القيم الإسلامية هو الهدف الذي يراد من الإنسان تحقيقه، فالإنسان من وجهة نظر الإسلام ليس كائناً وجد صدفة أو عبثاً بل وجد بتقدير إلهي هادف مبني على حكمةٍ عجِز أقرب خلق الله إليه عن إدراكها كما يصوّر لنا القرآن
148
الكريم ذلك بقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾19. يستفاد من هذه الآية أن الله لما عزم على خلق الإنسان إنما فعل ذلك لأجل هدف وغاية يريدها من الإنسان ألا وهي الخلافة، أو حمل الأمانة كما يصورها لنا القرآن في آية أخرى حيث يقول سبحانه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾20. إذاً الإنسان لم يلق به على هذا الكوكب من حيث لا يعلم، ولم يبصر طريقه صدفة ثم شرع في السير إلى حيث لا يعلم21 بل خلق لهدف واضح وقبل تحمّل الأمانة بحسب ما أوتي في عالم التكوين من مواهب وقدرات سمحت له بتحمل الأمانة، والقيام بأعبائها، ولم يترك سدى حتى تفاجئه ساعة الحساب، بل تواترت إليه الرسل والأنبياء ليثيروا دفائن ما كمن في عقله وليستأدوه ميثاق الفطرة التي فطر عليها، كما في المروي عن علي عليه السلام. وهذا يفتح الباب في وجه الضابط الثاني وهو المسؤولية.
2- المسؤولية: العنصر المؤثر الثاني في تشكيل منظومة القيم الإسلامية هو المسؤولية. ويترتب هذا العنصر منطقياً على ما تقدم،
149
وذلك أنه عندما يخلق الإنسان من أجل هدف وغاية ويتقبل القيام بأعباء تلك الغاية تحمل الأمين للأمانة، ويسمح له ما وهب من قدرة بالقيام بأعباء هذه الأمانة إن وفى ولم يقصر، فلا شك في كونه مسؤولاً. وتؤسس لهذا العنصر مضافاً إلى هذا التحليل بعض النصوص الدينية من القرآن والسنة، أما من القرآن فقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً﴾22 ويليها في السورة نفسها قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾23وكذلك قوله تعالى:﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ﴾24 إلى غير ذلك من الآيات التي يمكن استفادة هذا المعنى منها. وأمّا من السنة فمن ذلك قول أمير المؤمنين عليه السلام: "... اتقوا الله في عباده وبلاده، فإنكم مسؤولون حتى عن البقاع والبهائم.."25. والمسؤولية الإنسانية هي مسؤولية تجاه الله المستخلِف أولاً وعن الإنسان الشريك المعادل في الإنسانية عن كل ما أعطاه الله للإنسان في حياته الاجتماعية. وهذا ما يعبّر عنه الشهيد الصدر أحسن تعبير عندما يقول إن إضافة الله إلى التركيبة المكونة للمجتمع ليست مجرّد إضافة عددية وإنما هي إضافة نوعية: "بل إنّ هذه الإضافة تحدث تغييراً نوعياً في بنية العلاقة الاجتماعيّة وفي تركيب الأطراف الثلاثة الأخرى نفسها.
150
من هنا ليس هذا مجرّد عمليّة جمع ثلاثة زائد واحد، بل هذا الواحد الذي يضاف إلى الثلاثة سوف يعطي للثلاثة روحاً أخرى ومفهوماً آخر، سوف يحدث تغييراً أساسيا في بنية هذه العلاقة ذات الأطراف الأربعة كما رأينا، إذاً يعود الإنسان مع أخيه الإنسان مجرد شركاء في حمل هذه الأمانة والاستخلاف وتعود الطبيعة بكل ما فيها من ثروات وبكل ما عليها ومن عليها مجرّد أمانة لا بدّ من رعاية واجبها وأداء حقّها. هذا الطرف الرابع هو في الحقيقة مغيّر نوعي لتركيب العلاقة بين الأطراف الأربعة"26 . والإنسان الآخر من وجهة نظر الإسلام ليس مشروع استغلال أو استفادة بل هو مشروع بر27 وتواصل28 وتراحم ومودة29.
3- النظرة إلى الدنيا: العنصر الثالث الذي يساهم في التأسيس لمنظومة القيم الإسلامية. فالحياة على هذه الأرض هي الدنيا، وليست الدنية، والدنيا إما من الدنوّ والقرب ويكون ما في مقابلها هو البعيدة، وإما من الدنيا في مقابل العليا، وفي الحالين يشير هذا الوصف إلى وجود حياة أخرى بعد هذه الحياة إما هي أسمى منها أو أبعد. وبالتالي
151
يجب أن تؤخذ هذه الحياة اللاحقة في الحسبان عند تأسيس منظومة القيم، فليست هذه الحياة هي الفرصة الوحيدة التي على الإنسان استغلالها حتى الثمالة، على حدّ قول القائلين:﴿وَقَالُواْ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾30. ومن الطبيعي عندما تكون الدنيا فرصة لها ما بعدها وعندما تكون أعمال الإنسان في الدنيا لها نتائج وآثار تتجلى بأوضح صورها جمالاً وقبحاً في عالم آخر، توفّى فيه كل نفس ما كسبت، من الطبيعي والحال هذا أن تكون منظومة القيم منسجمة مع هذه النظرة وأن تخاط تلك المنظومة على مقياس هذا الثوب.
4- الكرامة الإنسانية: العنصر الرابع والأخير الذي أريد الإشارة إليه، هو نظرة الإسلام إلى الإنسان. ولا يحتاج هذا الأمر إلى مزيد توضيح بعد ما تقدم من استحقاق هذا الكائن مقام الخلافة الإلهية على الأرض، ويكفي للدلالة على علو كعب الإنسان في حسابات التقييم الإلهي، قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾31. ولا يبدو لي حاجة الأمر إلى مزيد.
على ضوء هذه الأسس يمكن أن تشتق منظومة القيم الإسلامية. وعلى إيقاع هذه المعايير ينظم كل ما يمكن تسميته بالقيمة التي دورها كما تقدم تحديد السلوك، ومن هذه القيم: الحقّ والباطل، العدل
152
والظلم، الإيثار والإثرة، الصدق والكذب، الوفاء والغدر... وعليها يقاس ما سواها.
خاتمة:
بناء على ما تقدم كله أدعي أن كل مذهب أو مسلك أو نظرية اجتماعية سواء كانت الحرية قيمة من قيمها أو خياراً من خياراتها، تحتاج، لتصون الحرية نفسها، إلى معايير تضبط كيفية ممارستها وإلا تحولت الحرية نفسها إلى نقيضها. والإسلام والفكر الإسلامي ليس بدعاً بين المذاهب والمدارس الفكرية والاجتماعية، بل يسير على الخط نفسه، والخطة نفسها، وما الاختلاف إلا في نوعية القيم وطبيعتها. يبقى أن كثيراً من القيم التي تبدو مبالغاً فيها كحدود تقيد مساحة العمل وتحد من حرية الإنسان، عندما نتأمل فيها لا نجدها إلا قيداً أخلاقياً يراد الالتزام به بشكل حر، حتى في الأمور التي أولاها الله مزيداً من العناية والاهتمام، كبعض العبادات، فالصلاة والصوم مثلاً هما فعلان واجبان فيهما تضييق لمساحة الاختيار الإنساني، وهذا لا نقاش فيه، ولكن أداء هذين الواجبين متروك لحرية الضمير الإنساني ليمارسهما المسلم دون جبر أو إكراه خارجي بل لو فرض أداؤهما تحت ضغط الإكراه الممارس على الإنسان من الخارج لما تحقق الغرض منهما ولا يبعد أن يطالب الإنسان بإعادتهما بشكل طوعي حر.
153
هوامش
1- الشيخ محمد رضا المظفر، المنطق، بيروت، دار التعارف، للمطبوعات، 1995، ص97.
2- حماد، أحمد جلال، حرية الرأي في الميدان السياسي في ظل مبدأ المشروعية، المنصورة، مصر، دار الوفاء، 1987، ص27.
3- مونستكيو، روح الشرائع، تعريب عادل زعيتر وانطون نخلة قازان، بيروت، اللجنة الوطنية اللبنانية للتربية والتعليم والثقافة، 2005، ج1، ص268.
4- المصدر نفسه، ص270.
5- إيزايا برلين، حدود الحرية، تعريب: جمانة طالب، دار الساقي، بيروت، 1992، ص12.
6- المصدر نفسه، ص16.
7- نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم، ج1، ص78.
8- الثقافة الإسلامية تخصصاً ومادة وقسماً علمياً، ص14.
9- انظر: موقع مجلة العلوم الاجتماعية، على الرابط الآتي: http://swmsa.net/forum/archive/index.php/t-11588.html، تاريخ الدخول إلى الموقع: 18-2-2010.
10- السيد محمد باقر الصدر، المدرسة القرآنية، لا ط، لا تا، بيروت، دار التعارف، ص167.
11- محمد الطاهر بن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، تحقيق: محمد الميساوي، عمان، دار النفائس، ط2، 2001، ص395 وما قبلها.
12- انظر: المصدر نفسه، ص395-400.
13- سورة الزمر: الآيتان 17-18.
14-سورة آل عمران: الآية 159.
15- سورة البقرة: الآية 256.
16- سورة البقرة: الآية 217.
17- سورة النساء: الآية 97.
18- سورة الملك: الآية 15.
19- سورة البقرة: الآية 30.
20- سورة الأحزاب: الآية 72.
21- إشارة إلى قول الشاعر اللبناني إيليا أبو ماضي: جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت
22- سورة الإسراء: الآية 34.
23- سورة الإسراء: الآية 36.
24- سورة الصافات: الآية 24.
25- الإمام علي عليه السلام، نهج البلاغة، قسم الخطب، الخطبة رقم 167.
26- السيد محمد باقر الصدر، المدرسة القرآنية، محاضرة: عناصر المجتمع في القرآن.
27- إشارة إلى قوله تعالى: }وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ وَأَنتُم مِّعْرِضُونَ{سورة البقرة: الآية 83.
28- إشارة إلى قوله تعالى: }وَالَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَـئِكَ مِنكُمْ وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ{ سورة التوبة: الآية 75.
29- إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ سورة الروم: الآية21.
30- سورة الأنعام: الآية 29.
31-سورة الإسراء: الآية 70.

الرد مع إقتباس
المشاركة في الموضوع

يمكن للزوار التعليق أيضاً وتظهر مشاركاتهم بعد مراجعتها



عدد الأعضاء الذي يتصفحون هذا الموضوع : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع
بحث في هذا الموضوع:
 
بحث متقدم
طريقة العرض

قوانين المشاركة
لا بإمكانك إضافة موضوع جديد
بإمكانك إضافة مشاركات جديدة
لا بإمكانك إضافة مرفقات
لا بإمكانك تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاح
كود HTML غير متاح
الإنتقال السريع :


جميع الأوقات بتوقيت بيروت. الساعة الآن » [ 03:45 PM ] .
 

تصميم وإستضافة الأنوار الخمسة © Anwar5.Net

E-mail : yahosein@yahosein.com - إتصل بنا - سجل الزوار

Powered by vBulletin