عرض مشاركة مفردة
قديم 15-08-2018, 04:53 AM
وهج الإيمان وهج الإيمان غير متصل
عضو نشط وفعّال
 

رقم العضوية : 85283

تاريخ التّسجيل: Apr 2010

المشاركات: 25,985

آخر تواجد: اليوم 07:16 AM

الجنس: أنثى

الإقامة:


الأستاذ بولوز

محمد ابن الأزرق*


30-مارس-2015 00:30
دليل مشروعية " نكاح المتعة " من القرآن الكريم:
قال الله تعالى في سورة النساء: { وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين، فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة، ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة، إن الله كان عليما حكيما } .ولا ينكر جمهور علمائنا كونها نصا صريحا في المتعة، وإنما يزعمون أن حكمها منسوخ.قال الشوكاني: أما نكاح المتعة، فلا خلاف أنه قد كان ثابتا في الشريعة كما صرح به القرآن: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} هـ
وأنكر قلة منهم أن تكون متعلقة بالمتعة دون احترام لهذه القراءة الصحيحة الواردة فيها: قال أبو نضرة: سألت ابن عباس عن متعة النساء، قال: أما تقرأ سورة النساء؟ قلت: بلى. قال: فما تقرأ فيها: [ فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى] ؟ قلت: لا، لو قرأتها هكذا ما سألتك، قال فإنها كذا. رواه الطبري وابن أبي داود والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، ولم يضعفه أحد من القائلين بالنسخ.وقوله : "إنها كذا " ، أي معناها كذلك أو أنزلت كذلك .وهي قراءة مولانا أبي بن كعب، فصح عن حبيب بن أبي ثابت عن أبيه قال: أعطاني ابن عباس مصحفا فقال: هذا على قراءة أبي، قال أبو كريب: قال يحيى : فرأيت المصحف عند نصير فيه: [ فما استمتعتم به منهن (إلى أجل مسمى) ] أخرجه الطبري وابن شاهين.ولم يصح عن الصحابة ما يعارض قراءة أبي وابن عباس، فهو شبه إجماع.واعتمدها عطاء بن أبي رباح وقتادة وسعيد بن جبير ومجاهد والحكم بن عتيبة وسفيان الثوري وموالينا علي بن الحسين وأبو جعفر محمد وابنه جعفر.
ومن المفسرين القدامى مقاتل والسدي، والمصنفون في النواسخ كابن سلام وابن حزم.
وقال القرطبي: اختلف العلماء في معنى الآية، فقال الحسن ومجاهد وغيرهما: المعنى: فما انتفعتم وتلذذتم بالجماع من النساء بالنكاح الصحيح فآتوهن أجورهن أي مهورهن ... قال الجمهور: المراد نكاح المتعة الذي كان في صدر الإسلام، وقرأ ابن عباس وأُبي وابن جبير: فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن. هـ
ولا يصح ما ذكره عن الحسن ومجاهد، والغير الذي أشار إليه، ليس من الصحابة حتما، فلا عبرة به في معارضة أبي وابن عباس.
إنها قراءة شاذة على قول الجمهور، والشاذ كل قراءة صحيحة الأسانيد، لم تواتر التواتر المشترط في القرآن الكريم، لذلك لا نجدها في المصحف. ولعلمائنا رحمهم الله ثلاثة مسالك في التعامل مع القراءات الشاذة الصحيحة:
المسلك الأول:
يعتبرها الجمهور من القرآن المنسوخ لفظا، فتكون بذلك حجة في بيان معنى الآية المرتبطة بها، وأقوى عندهم من حديث الآحاد.
قال الزركشي: [الأمر الثامن: قال أبو عبيد في كتاب "فضائل القرآن": إن القصد من القراءة الشاذة تفسير القراءة المشهورة وتبيين معانيها، وذلك كقراءة عائشة وحفصة: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى (صلاة العصر)}، وكقراءة ابن مسعود: {والسارق والسارقة فاقطعوا (أيمانهما)} [...] فهذه الحروف وما شاكلها، قد صارت مفسرة للقرآن، وقد كان يروى مثل هذا عن بعض التابعين في التفسير فيستحسن ذلك، فكيف إذا روي عن كبار الصحابة؟]. هـ
ولسنا نقر هذا المذهب، فنسخ التلاوة مع بقاء الحكم أو نسخ التلاوة والحكم معا، ابتدعا فرارا من حقائق كثيرة، وننصح المصدومين بقراءة رسالة العلامة عبد الله الغماري: "ذوق الحلاوة ببيان امتناع نسخ التلاوة".
المسلك الثاني:
يرى بعض العلماء أن القراءة الشاذة بمثابة الحديث، أي أن النبي عليه السلام كان يفسر الآية، ثم ينسى الصحابي فيخلط بين الآية وتفسيرها، ويكتبها في المصحف الخاص به كما فهم، ويقرئ تلامذته ذلك، ومن هنا كلف سيدنا عثمان بن عفان لجنة من جماعة كبيرة، قامت بإعادة جمع القرآن صافيا من التأويل النبوي وتفاسير الصحابة، وأقر ذلك الجميع بمن فيهم مولانا علي. قال ابن قدامة في "المغني": في قراءة أبي وعبد الله بن مسعود: {فصيام ثلاثة أيام متتابعات}، كذلك ذكره الإمام أحمد في التفسير عن جماعة، وهذا إن كان قرآنا فهو حجة لأنه كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وإن لم يكن قرآنا فهو رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم، إذ يحتمل أن يكون سمعاه من النبي صلى الله عليه وسلم تفسيرا فظناه قرآنا، فثبتت له رتبة الخبر ولا ينقص عن درجة تفسير النبي صلى الله عليه وسلم للآية، وعلى كلا التقديرين فهو حجة يصار إليه.ـ
وقال ابن كثير: [ نص الشافعي في موضع آخر في الأم على وجوب التتابع كما هو قول الحنفية والحنابلة، لأنه قد روي عن أبي بن كعب وغيره أنهم كانوا يقرؤونها: {فصيام ثلاثة أيام متتابعات}. قال أبو جعفر الرازي عن الربيع عن أبي العالية عن أبي بن كعب أنه كان يقرؤها: {فصيام ثلاثة أيام متتابعات}. وحكاها مجاهد والشعبي وأبو إسحاق عن عبد الله بن مسعود. وقال إبراهيم: في قراءة أصحاب عبد الله بن مسعود: {فصيام ثلاثة أيام متتابعات}. وقال الأعمش: كان أصحاب ابن مسعود يقرؤونها كذلك. وهذه إذا لم يثبت كونها قرآنا متواترا، فلا أقل أن يكون خبر واحد أو تفسيرا من الصحابة، وهو في حكم المرفوع] هـ
وقال الشوكاني في "النيل": ولو سلم انتفاء قرآنيته على جميع التقادير، لكان سنة، لكون الصحابي راويا له عنه صلى الله عليه وآله وسلم لوصفه له بالقرآنية، وهو يستلزم صدوره عن لسانه، وذلك كاف في الحجية لما تقرر في الأصول من أن المروي آحادا، إذا انتفى عنه وصف القرآنية لم ينتف وجوب العمل به كما سلف. هـ
ونحن مع هذا المسلك، لأنه تأويل منسوب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن لم يصرح به الصحابي. فما دام ينسبه إلى الله تعالى، ولا نجده في المصحف، فالمنطق يقضي أنه حديث نبوي صحيح.هذا إذا لم يختلف الصحابة القراء، أما إذا حصل الاختلاف بينهم ، فلا تكون أي من قراءاتهم الشاذة حديثا، بل هي من تأويلاتهم. واعلم أن قراءة آية المتعة أصح بكثير من قراءة (فصيام ثلاثة أيام متتابعات)، ومع ذلك أعرض عنها ابن كثير وآخرون، فاحذر زلات العلماء.
المسلك الثالث:
يرى جماعة من العلماء أن القراءات الآحادية، من باب تفاسير الصحابة، وأن تفسير الصحابي القارئ كأبي وابن عباس معدود في قسم التفسير بالمأثور، وهو حجة إذا لم يعارضه مثله أو أقوى. وعلى هذا المسلك، فقراءة: {إلى أجل مسمى} حجة لأنه قرأ بها أحد الصحابة الذين أمرنا بأخذ القرآن عنهم، هو سيدنا أبي ووافقه ابن عباس الأعلم بالقرآن بعد مولانا علي.فهي تفسير اثنين من كبار الصحابة، ولم يخالفهما غيرهما، وبه قال أئمة التفسير من التابعين. وبالجملة، فهي حجة في حمل الآية على المتعة، لأن القراءة الآحادية تندرج فيما نسخت تلاوته، أو هي بمنزلة الحديث، أو هي تفسير الصحابي. وما عدا هذه المسالك شاذ لا يعتد به عند علماء السنة. ودعني من قول الطبري رحمه الله في تعليقه على قراءة ابن كعب: "وغير جائز لأحد أن يلحق في كتاب الله تعالى شيئا لم يأت به الخبر القاطع" فإنه خطأ واستماتة في تحريم المتعة، وما كان الطبري أحرص على القرآن من ابن عباس وتلامذته.والطبري من القائلين بأن القراءات الشاذة من المنسوخ لفظا.
ثم إنه لم يسلك موقفا واحدا، فإذا كان يرفض الاحتجاج بقراءة {إلى أجل مسمى}، فإنه احتج بالشواذ في مواضع، منها قوله: وقال تعالى ذكره: {فاقطعوا أيديهما}، والمعنى أيديهما اليمنى كما حدثني محمد بن الحسين قال: ثنا أحمد بن مفضل قال: ثنا أسباط عن السدي: فاقطعوا أيديهما اليمنى. حدثنا ابن وكيع قال: ثنا أبي عن سفيان عن جابر عن عامر قال: في قراءة عبد الله: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما} هـ
وقال: قرأ بعض القراء {ويهلك الحرث والنسل} برفع يهلك (...) وذلك قراءة جائزة وإن كان لها مخرج في العربية لمخالفتها لما عليه الحجة مجمعة من القراءة في ذلك قراءة: {ويهلك الحرث والنسل} وأن ذلك في قراءة أبي بن كعب ومصحفه فيما ذكرنا ليفسد فيها وليهلك الحرث والنسل، وذلك من أدل الدليل على تصحيح قراءة من قرأ ذلك: {ويهلك} بالنصب عطفا به على ليفسد فيها.
ودعني من أقوال غير الطبري، فإنهم يحتجون بالشاذ من القراءات إذا وافق آراءهم، ثم يردونها إذا خالفت مذاهبهم، قال ابن القيم في الزاد: وقد احتج كل واحد من الأئمة الأربعة به في موضع، فاحتج به الشافعي وأحمد في هذا الموضع، واحتج به أبو حنيفة في وجوب التتابع في صيام الكفارة بقراءة ابن مسعود: {فصيام ثلاثة أيام متتابعات}، واحتج به مالك والصحابة قبله في فرض الواحد من ولد الأم أنه السدس بقراءة أبي: {وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت من أم فلكل واحد منهما السدس}. فالناس كلهم احتجوا بهذه القراءة، ولا مستند للإجماع سواها. قالوا: وأما قولكم إما أن يكون نقله قرآنا أو خبرا، قلنا بل قرآنا صريحا. قولكم: فكان يجب نقله متواترا، قلنا: حتى إذا نسخ لفظه أو بقي؟ أما الأول فممنوع والثاني مسلم، وغاية ما في الأمر أنه قرآن نسخ لفظه وبقي حكمه، فيكون له حكم قوله: {الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما} مما اكتفى بنقله آحادا، وحكمه ثابت، وهذا مما لا جواب عنه]ه
بعد الذي تقدم، لا يبقى للمنصف إلا أن يقر بأن آية النساء صريحة في نكاح المتعة، ثم ينتقل للسؤال عن نسخ حكمها من عدمه.
فنقول وبالله التوفيق:
على رأي القائلين بوجود النسخ بكل أنواعه، فإنهم يرون أن الأحكام الثابتة بالقرآن الكريم لا تنسخ إلا بالقرآن أو بالحديث المتواتر.
أما حديث الآحاد فلا ينسخ شيئا من القرآن، لأن الآية قطعية الثبوت، والحديث ظني الثبوت مشكوك فيه بنسبة ما، ومحال أن ينسخ المشكوك في صحته كلام الله المحكم.
جاء في المحصول للقاضي ابن العربي عن نسخ القرآن بالحديث: وأنكره أصحابنا وأصحاب الشافعي والأستاذ أبو إسحاق الاسفراييني رحمهم الله، وعمدتهم أن القرآن معجز وكلام النبي غير معجز، فكيف يرد المعجز بما ليس بمعجز (...) ولكن ذلك عندنا إذا ثبت طريق السنة قطعا بالخبر المتواتر، وأما إن كان خبر واحد فقد تعاطى بعضهم النسخ به وهي مزلة قدم لأن خبر الواحد مظنون ولا يساوي الظن اليقين فضلا أن يعارضه.هـ
فهل لعلمائنا محرمي المتعة أي ناسخ من القرآن أو السنة المتواترة لآية النساء؟ والله لا يوجد لديهم إلا العناد والضباب.
أما الأحاديث التي احتجوا بها فكلها أخبار آحاد بإقرارهم، وهي مختلفة فيما بينها من حيث التاريخ، أصحها حديث مولانا علي في النهي يوم خيبر. وهو حديث صحيح، لكنه لا يشتمل على أي لفظ من ألفاظ التحريم، ثم إنه منسوخ عندهم بترخيص النبي في المتعة عام فتح مكة. والحق أن النبي نهى عن المتعة عام خيبر نهيا عسكريا لا تشريعيا، وإن كان هناك نسخ فنهيه منسوخ بآية المتعة التي نزلت بعد خيبر، وبإذنه في المتعة بعدها.وأما حديث سبرة بن معبد المصرح بالتحريم فضعيف لا يحتج به عاقل يخشى الله.ولو سلمنا إمكان نسخ كلام الله بحديث الآحاد، فآية المتعة ناسخة لحديث سبرة لأنها نزلت بعده.
وأما دليل الجمهور على نسخ آية المتعة بالقرآن، فهو قول الحق سبحانه في سورة "المؤمنون" و"سورة المعارج" : { والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين، فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون } قال بعض كبار الأئمة رحمهم الله : نصت الآية على أن من قضى شهوته الجنسية مع غير الزوجة أو المملوكة ، فهو من العادين ، أي الظالمين أنفسهم المجاوزين حدود الله ، وامرأة المتعة ليست زوجة ، فتكون الآية ناسخة حتما لآية المتعة .قلت : سبحان الله ، كيف يتجرأ أئمة كبار على التفوه بمثل هذا الكلام ؟
يعترفون أن المتعة كانت مباحة بعد الهجرة ، ولم تنسخ عندهم إلا عام خيبر أوبعده ، ثم يستدلون على نسخها بآية مكية نزلت قبل الهجرة بإجماع.أهو الجهل بتوقيت نزول الآية ؟ أم هو العناد والمكابرة عند فقدان الحجة والبرهان ؟ ثم من قال لهم إن المرأة المستمتع بها ليست زوجة قبل انقضاء أجل المتعة ؟ في أي كتاب أو سنة صحيحة وجدوا ذلك ؟
إن المتعة زواج شئتم أم أبيتم ، والمستمتع بها زوجة أحببتم أم كرهتم ، وكلمة " أزواجهم " عامة مطلقة تشمل الزوجة المؤبدة والزوجة المؤقتة ، فلا علاقة لآية " المؤمنون والمعارج " بالنسخ والتحريم حتى لو نزلت بعد آية المتعة التي في سورة النساء المدنية .
وإن شئتم العناد والتعنت ، فآية المتعة ناسخة لما في آية " المؤمنون " و " المعارج " من تقييد على فهمكم البديع ، بمعنى أن الآية المكية قيدت النكاح المشروع بالزوجة المؤبدة والمملوكة ، ثم جاءت آية المتعة المدنية لتوسع دائرة النكاح المباح ، فأضافت زوجة المتعة .
والحق أن المسألة لا ناسخ فيها ولا منسوخ ، فالمتعة نكاح عربي قديم ، لم ينزل فيه من الله شيء قبل آية النساء ، فكان بعض الصحابة يفعلونه بإذن النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان بعضهم يتحرجون منه ، فأنزل الرب الرحيم بعباده آية المتعة لرفع الحرج عن أمة الإسلام ، وكان ذلك بعد انتهاء المسلمين من غزوة حنين في السنة الثامنة بعد الهجرة ، فكانت أول متعة يفعلها الصحابة الأطهار بعد نزول الآية بالإذن، عند تحللهم من عمرة الجعرانة بعد حنين ، لكن علماءنا لا يريدون التحقيق ، لأنه ينسف لهم حججهم ويبطلها فيفضلون التعمية على الحقائق أو يتكاسلون عن البحث، فلا أحد منهم أشار إلى نزول آية المتعة بعد الفتح وحنين، رغم وجود الدليل على ذلك، وهو أن سورة النساء متأخرة النزول، والآية 24 المشتملة على إباحة المتعة نزلت يوم حنين، وهي قوله سبحانه: { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا }
روى مسلم في الصحيح عن سيدنا أبي سعيد الخدري أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم بعث يوم حُنين سريَّة، فأصابوا حيًّا من أحياء العرب يومَ أوطاس، فهزموهم وأصابوا لهم سبايَا، فكان ناسٌ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتأثَّمون من غشيانهن من أجل أزواجهن، فأنزل الله تبارك وتعالى: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} منهن، فحلالٌ لكم ذلك . وجاء التصريح بنزولها يوم حنين عن مولانا ابن عباس وسعيد بن جبير والشعبي.
وبعد نزولها ، أذن النبي عليه السلام لأصحابه في المتعة :
روى الشيخان عن الحسن بن محمد بن علي عن جابر بن عبد الله وسلمة بن الأكوع رضي الله عنهما قالا: خرج علينا منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أذن لكم أن تستمتعوا، يعني متعة النساء.ولفظ البخاري: كُنَّا فِي جَيْشٍ، فَأَتَانَا رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَكُمْ أَنْ تَسْتَمْتِعُوا، فَاسْتَمْتِعُوا.وجملة " كنا في جيش " تعني جيش المسلمين يوم حنين بدليل هذه الرواية الصريحة من طريق البخاري عند ابن أبي الحافظ المتوفى عام 490 هـ في كتابه: "تحريم نكاح المتعة ص 49 " عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، قَالَا: كُنَّا فِي حُنَيْنٍ، فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «إِنَّهُ قَدْ أذِنَ لَكُمْ أَنِ اسْتَمْتِعُوا، فَاسْتَمْتِعُوا ".
وروى الطبراني في المعجم الكبير بإسناد حسن عن سعيد المقبري أن ابن عباس وعروة بن الزبير اختلفا في المتعة، فقال عروة: هي زنى! وقال ابن عباس: وما يدريك يا عرية ! فمر بهما سلمة بن الأكوع، فسأله ابن عباس فقال: غرب بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أشهر ، كنت أخرج مع الجيش فأقيم حين يمسون، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من شاء فليستمتع من هذه النساء. هـ
ولم يغرب النبي بالمسلمين قرابة ثلاثة أشهر إلا في السنة الثامنة بعد الهجرة، وهو عام الفتح وحنين وأوطاس ، فتأكد نزول الآية في ذلك التاريخ .وقوله صلى الله عليه وسلم : «إِنَّهُ قَدْ أذِنَ لَكُمْ أَنِ اسْتَمْتِعُوا، فَاسْتَمْتِعُوا " ، صريح في نسبة الإذن إلى الله سبحانه ، أي أنه أخبر أصحابه بنزول الآية بإباحة ملك اليمين والمتعة.
وقد استمتع بعض الصحابة بعد عمرة الجعرانة بدليل هذه الرواية :
روى سعيد بن منصور والقاسم بن سلام بإسناد صحيح إلى الحسن البصري قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة في عمرته، تزين نساء أهل المدينة، فشكا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال: تمتعوا منهن واجعلوا الأجل بينكم وبينهن ثلاثا، فما أحسب رجلا يتمكن من امرأة ثلاثا إلا ولاها الدبر.
وظن بعض العلماء أن ذلك كان في عمرة القضاء ، وهم بعيدون عن الصواب لأمرين هامين لم يلتفتوا إليهما:
الأول : كان أهل مكة أيام عمرة القضاء مشركين معادين للمسلمين ، ويشترط في المتعة إسلام المرأة ، ونساء مكة حينئذ مشركات ، وقومهن في حرب مع المسلمين ، فكيف يستمتع الصحابة بهن ؟
الثاني : أخلى المشركون مكة للمسلمين أيام عمرة القضاء بموجب اتفاق الحديبية ، وكان الاتفاق يقضي بأن يظل المسلمون بمكة للعمرة ثلاثة أيام فقط ، وهو ما حصل بالضبط كما نص أهل السير والتاريخ ، أي أن الصحابة كانوا محرمين بالعمرة طيلة الأيام الثلاثة ، وقد استمتعوا حسب أثر الحسن البصري ثلاثة أيام ، فيكون المجموع ستة ، وهو مناقض للتاريخ الثابت .
ولم يعتمر النبي صلى الله عليه وسلم بعد عمرة القضية عمرة غير مقرونة بالحج إلا عمرة الجعرانة بعد حنين، فهي المقصودة حتما .
وقد كان المسلمون آمنين في مكة حينئذ ، ونساؤها مسلمات ، فكان من الملائم أن تتوق نفوسهن لنكاح صحابة الرسول حبا وتبركا، ومعانقة للفاتحين ، لذلك تزينت النساء فاستمتعن .وهذه صورة من واقعية الإسلام واحترامه رغبات الإنسان الفطرية ، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يعاقب النسوة ولا انتهرهن ، بل دعا أصحابه لتحقيق رغباتهن البريئة ، من خلال الزواج المؤقت .فهل يشفق فقهاؤنا على الأرامل والمطلقات والعوانس المتعطشات للشهوة الحلال ، وعلى المحتاجين من الرجال للزواج المؤقت الموثق تأسيا بسنة النبي صلى الله عليه وسلم مع نسوة مكة ؟
لا أظن ذلك قريبا، فلا يزال أمامنا طريق طويل ليستفيق علماؤنا ، ثم ينزلون من الأبراج العاجية السامية المحققة للطهرانية حسب ظنهم .
إنهم بحاجة للتأكد من وجود آية قرآنية محكمة تبيح النكاح المؤقت ، المتعة ، فاسألوهم أيها المتعطشون للحق هل تلك الآية نزلت في المتعة أم لا ؟ وأتحفوهم بهذا الأثر : عن شعبة الإمام أنه سأل الحكم بن عتيبة التابعي الكبير جليل القدر عن هذه الآية: { فما استمتعتم به منهن} أمنسوخة هي؟ قال: لا. ثم قال الحكم : قال علي رضي الله عنه : لولا أن عمر رضي الله عنه نهى عن المتعة ما زنى إلا شقي.
رواه الطبري في التفسير بإسناد صحيح إلى الحكم بن عتيبة.
نثر الكنوز في التعقب على السيد محمد بولوز
لقد رد على الجزء الأول من مقالنا فضيلة الأستاذ محمد بولوز بمقال تحت عنوان : " زواج المتعة محرم عند أهل السنة ومصيدة "للمؤلفة فروجهم" عند الشيعة " ، ونحن نشكره على سرعة تجاوبه مع المسألة ، لكننا نأسف ونتألم لتسرعه في إطلاق الأحكام والتهم ، واستعجاله في ولوج معترك الموضوع دون احترام للتحقيق العلمي .ولسنا هنا لنقدم دروسا في النحو والإملاء لأستاذنا الفاضل ، حيث دفعته العجلة للتصدي لنا تحصينا للأتباع ، فملأ مقاله بالأخطاء النحوية ولعله كان يملي على كاتب لا يتقن مبادئ اللغة العربية .
ولسنا هنا لنذكر فضيلته بوجوب تحلي العالم الداعية بالخلق الحسن من خلال الكلمة الطيبة وحسن الظن ، فمقال الرجل يقطر حنقا وسوء ظن ، من قبيل اتهامنا بالتشيع والنفاق والتظاهر بالعلم والترضي على الصحابة مداهنة ، فكأنه " إله " مطلع على النوايا ذات الصدور، ولست أدري هل يتهم الشيخين الفاضلين القرضاوي والكبيسي بمثل ما اتهمني به ، فهما من المتسامحين في شأن المتعة .
ـــ جاء في عنوان الحبيب بولوز: " زواج المتعة محرم عند أهل السنة " ، ونسي أو تجاهل أنني قلت ذلك في الجزء الأول ، لكن السؤال المركزي الذي سيحار السيد بولوز في الجواب عليه هو : ما موقف جماهير الصحابة وكبار التابعين من زواج المتعة ؟ وإذا كانوا يبيحونه كما سنثبت بإذن الله ، فهل هم سلف السنة أم الشيعة ؟ وهل هم أولى بالاتباع أم فقهاء المذاهب الذين خالفوهم ؟
إنني كنت دقيقا في اختيار عنوان مقالي حيث قلت : " نكاح المتعة رحمة أم حرام عند السلف " ، والسلف عندنا هم كبار الصحابة العلماء لا غير .وقد وجدنا جلهم على القول بإباحة المتعة ، فلا قيمة لمن أتى بعدهم أيا كان .والآن يا سيد بولوز : هل نتبع الصحابة أم نقلد أخطاء المذهبيين ؟أما أنا فلو خيرت ، ما فضلت ضوء المصباح على شمس النهار ، فافرز بينهما رعاك الله.
ـــ حشد الأستاذ الناصح في مقاله نقولا كثيرة عن بعض العلماء كالطبري والرازي والقرطبي ظنا منه أن ذلك يرهبنا ، وقد أخطأ سهمه وطاش ، فنحن على دراية تامة بأقوالهم وأقوال غيرهم في الموضوع ، بل قرأنا ما لم يقرأ هداه الله وعلمه ، ولعله لا يعرف كتاب " تحريم نكاح المتعة " للإمام ابن أبي حافظ ، إذ لو عرفه لنقله لنا كله ليردعنا .
فاعلم أيها الفاضل أننا تأملنا أقوال هؤلاء الرجال رحمهم الله وجمعنا بهم في الدار الآخرة، منطلقين من أن القول بدليله لا بقائله ، وأن الرجال يعرفون بالحق لا العكس ، وأن الجماعة هي الحق ولو كنت وحدك...
فوجدناهم رحمهم الله مضطربين مختلفين في الموضوع متناقضين ، ورأينا بعضهم مقلدين متعصبين غير محققين، وآخرين معاندين للشيعة مكابرين ، أو خائفين على أنفسهم وجلين ، أو متخوفين على الطائفة مرهوبين .ووالله الذي لا إله إلا هو ، لو أن أحد كبارهم المحققين المطلعين ، كالحافظ ابن حجر رحمه الله ، أعاده الله إلى الدنيا ، لأقر أنه كان يعرف الحقيقة ، أي عدم نسخ المتعة ، وأنه لم يستطع معاكسة التيار الجارف ، لأنه كان في عصر الإرهاب الفقهي العلمي السياسي ، فافهم .فعوض أن تجمع وتحشد ، أخرج لنا العلم الحق من كتاب ربنا وسنة نبينا الصحيحة .
وإذا كنت تستقوي علينا بالمفسرين والمحدثين ، فنحن نستظل بالوحي ، ونستقوي بالصحابة المرضيين ، فإن الواحد منهم كمولانا ابن عباس ، إذا نفخ على كل العلماء الذين أوردتهم وغيرهم معهم نفخة واحدة ، طيرهم وألقاهم في بحر الجهل والأمية .ولعلك يا سيد بولوز على مذهب القائلين بعدم وجوب النقاب مثلا ، فهل تتراجع وتتهيب إذا أتيناك بعشرات النصوص عن العلماء المتشددين في المسألة ، أم ستركز على صحة الأدلة وصلاحيتها ؟
رحم الله كل العلماء ، فلا مشكل لنا مع أشخاصهم ، وإنما نخالفهم كما خالفوا غيرهم في الأفكار والمواقف ، ونلتمس لهم العذر تلو العذر ، وما نحن إلا تراب تحت أرجلهم ، لكنهم أصلوا لنا أصولا وقعدوا لنا قواعد صارمة ، وعلمونا أن الرشد في اتباع تلك الأصول والقواعد ، وأن أقوالهم إذا شذت عن المبادئ شبه الريح .فنحن بنصيحتهم عاملون ، ولقواعدهم متبعون ، ونتحداك يا أستاذ بولوز أن تجد في مقالي خروجا عن قاعدة متفق عليها ، أو رأيا عاريا عن الدليل ، أو قولا فاقدا لمستند من المبادئ الأصول ، فاجهد رعاك الله ومعك الجن والإنس .
ـــ إن التقليد والتسليم لأقوال المتقدمين آفة الدين وعماية ، والاغترار بسكوت الأعلام عن الروايات الضعيفة والموضوعة مصيبة الفكر وجناية .
والسيد بولوز لم يكلف نفسه ذرة من التمحيص والتحقيق في الأحاديث والآثار التي ساقها أصالة أو على لسان الأئمة الذين جيش أقوالهم ضدنا ، فهو موغل في التقليد، وذلك عين التعصب والجمود .لقد أزرى المسكين بنفسه أمام الباحثين المجدين، وبين القارئين المنصفين، بعد أن يطالعوا ما توصلنا إليه بشأن تلك النقول ، من الضعف والنكارة والأفول.ولو أنه تأنى حتى نكمل ما عندنا، لكان في غنية عن هذا النقد العلمي المهذب الخالي من السباب والحكم على النوايا، وقديما قالوا: إذا تكلم الإنسان في غير فنه جاء بالعجائب.
وإليه ، بصره الله وبصرنا، حقيقة بعض المرويات الساقطة التي أوردها، مع تأجيل النظر في الصحيح الذي لا يصلح حجة علمية على ما يحامي عليه :
الخبر الأول :
احتج الأستاذ المحترم بما رواه مسلم في صحيحه عن سبرة بن معبد الجهني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا أيها الناس ! إني قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء ، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة ، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله . ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا" وساق روايته الأخرى التي فيها : عن الربيع بن سبرة الجهنيّ، عن أبيه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال: " اسْتَمْتِعُوا مِنْ هَذِهِ النَّساء "، والاستمتاع عندنا يومئذٍ التزويج. ه
أقول : هذا الحديث رواه الإمام مسلم في الشواهد لا في الأصول ، فلا عبرة بوجوده فيه كما يعرف المختصون، وتفرد به الربيع بن سبرة الذي لم يوثقه أحد قبل الإمام العجلي ، وكان مجهولا مغمورا عند معاصريه ، وتفرد به عن أبيه سبرة بن معبد ، وسبرة لا تثبت صحبته وإن كان مترجما في كتب الصحابة ، إذ لم يرو عنه إلا ابنه المشكوك في عدالته وضبطه ، ومتن حديثه متناقض تناقضا فاحشا لم يبلغه أي حديث مضعف بالاضطراب ، حيث اضطرب في التاريخ على أكثر من ثلاثة أوجه كما اضطرب في غير التاريخ، وأصح رواياته عند مسلم من طريق الليث بن سعد خالية من الجزء المصرح بالتحريم.
ثم إنه حديث يشتمل على مضامين منكرة ، فسبرة حكى تفاصيل جمال المرأة لابنه ، وزعم أنه خطبها هو وابن عمه في لحظة واحدة فاختارته لشبابه ، وذلك محال في حق الصحابة لأن النبي نهى عن خطبة الرجل على خطبة أخيه ، فكيف يخطب رجلان من الصحابة امرأة في مجلس واحد ؟ إنه فيلم هوليودي من إخراج الربيع بن سبرة المعتوه بالأدلة العلمية المخفية عن بولوز في بطون الكتب .
ولم يسمع أحد من الصحابة كبارا وصغارا بهذا الحديث رغم حاجتهم إليه أثناء النقاش في الموضوع، وتفرد به سبرة الذي لا ذكر له من غير رواية ابنه المخرج ، ولم يسمعه أحد من سبرة إلا ابنه المبجل .بمعنى أن سبرة الذي مات في دولة معاوية كتمه طيلة حياته عن كل الصحابة والتابعين باستثناء ابنه الربيع ، أي أنه كان يتضمن خطة لتصنيع السلاح النووي ، وبعد ذلك بقي ابنه الربيع المتفرد بسماع الخطة متكتما عليها حتى حدث بها أول مرة أمام الخليفة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، أي أن الحديث الفاصل لم يخرج إلى الوجود إلا بعد سنة 99 ه ، فيكون الربيع بن سبرة مجدد القرن الأول لا محالة .
هذا ، ولم ينتبه السيد بولوز إلى أن رواية : ( والاستمتاع عندنا يومئذ التزويج ) تقضي ببطلان حجته الساقطة ، فهي رواية صحيحة السند إلى الربيع المخرج لا إلى النبي صلى الله عليه وسلم .وهل يمكن يا سيد أن يكون النبي أعلم أصحابه بتحريم التزويج إذا كان هو الاستمتاع ، وكان المعصوم نهاهم عن الاستمتاع وحرمه تحريما مؤبدا ، أجب أيها الألمعي واعلم أن الكذاب كالربيع يترك آثار الجريمة لا محالة.
لكل ما تقدم ، فالحديث أسقطه إمامنا مالك من الموطأ بعدما كان يرويه، وكذلك فعل البخاري فلم يحتج به رغم معرفته به ووضوحه في التحريم، وضعفه الشافعي وابن معين ، وانتقد الدارقطني مسلما على تخريجه مشيرا إلى عدم ثبوت صحبة سبرة .وبالجملة ، فلي في الحديث بحمد الله ومنه بحث طويل الذيل ، محقق مدقق ، خلصت في نهايته إلى أن الربيع بن سبرة كان كذابا أو مجنونا يبحث عن الشهرة ، لذلك اختلق قصة المتعة مستغلا موت أبيه وجهالة الناس بأصله ونسبه ووفادته على الخليفة الراشد الخامس، وأقسم بالله ربي أني صادق فيما أقول ومستعد للمباهلة عليه بعد مناقشة مع جهة تستحق أن تكون حكما ، فليجهد بولوز لتأليفها.
وأتحدى أخوته بكل تواضع أن يثبت صحبة سبرة بن معبد بالطرق الثلاثة المعروفة عند العلماء، كما أتحداه أن يجد راويا ثقة يروي عن سبرة غير ابنه الربيع ، ولو أثبت واحدا من الأمرين فأنا أعلن تراجعي عن القول بعدم نسخ المتعة على الملأ وفي هسبريس نفسها.
وأزيدك أن الصحابة استمتعوا بعد فتح مكة بإذن النبي صلى الله عليه وسلم ثم مولانا أبي بكر ثم مولانا عمر ، واستمر جابر وسلمة بن الأكوع وابن عباس وغيرهم على القول بالإباحة ، فهل نصدقهم أم نصدق سبرة المغمور على فرض صحبته ؟
ثم إن آية المتعة نزلت بعد حنين ، وحديث سلمة بن الأكوع يا أخي يوم أوطاس، وحديث سبرة مؤرخ بفتح مكة عند " محققينا " من المحدثين كالألباني رحمه الله ، فهل ينسخ حديث صحيح آية قرآنية متأخرة عليه بأكثر من شهر ؟ وهل ينسخ حديث فرد غريب آية قطعية الثبوت يا رجل ؟ فحقق ثم أطلق .
الخبر الثاني :
ذكر السيد بولوز أثر ابن عباس: إذا تزوّج الرجل منكم المرأة ثم نكحها مرة واحدة فقد وجب صداقها كله. والاستمتاع هو النكاح، وهو قوله:{ وَءاتُواْ ٱلنِّسَاء صَدُقَـٰتِهِنَّ نِحْلَةً }
قلت : هذا أثر ضعيف جدا يرويه الطبري من طريق عبد الله بن صالح كاتب الليث وهو ضعيف، عن علي بن أبي طلحة وقد جرحه بعض النقاد، وما لقي ابن عباس ولا سمع منه، فيكون منقطعا سمعه من أحد الكذابين المتعصبين. قال الحافظ ابن حجر في التقريب: علي بن أبي طلحة سالم مولى بني العباس، سكن حمص، أرسل عن ابن عباس ولم يره، من السادسة، صدوق قد يخطىء. هـ
فهل تحتج به بعد الآن يا إمام ؟
الخبر الثالث:
وساق بولوز ما رواه عطاء الخرساني عن ابن عباس في قوله: { فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ } قال: صارت هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: { يأيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنّسَاء فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } قلت: الآية الثانية لا تعارض الأولى فلا يعقل أن يعدها مولانا ابن عباس ناسخة، وعطاء الخراساني ضعيف، ولم يلق ابن عباس، فكان يدلس عنه ، أي أنه كان يسقط الكذابين والمجاهيل الذين بينه وبين ابن عباس ليوهم صحة مروياته عنه، والسيد بولوز لا دراية له بمثل هذه الخبايا، أو أنه يدريها فيمارس التدليس عندما يسكت عن حال أسانيد ما يعارضنا به، فلعله معجب بمنهج عطاء الخراساني غفر الله لهما.
وهناك آثار أخرى ضعيفة أوردها الأخ الفاضل فنكتفي بما أثبت المراد، واستدل بأحاديث صحيحة لكنها لا تصلح لكونها منسوخة على مذهبه، وسيأتي ذكرها بحول الله.وأذكر السيد بولوز بقول حافظ المغرب ابن عبد البر في التمهيد10/121 عما نسب لابن عباس في الرجوع: هذه الآثار كلها عن ابن عباس معلولة لا تجب بها حجة من جهة الإسناد هـ وقال الحافظ ابن بطال: روى أهل مكة واليمن عن ابن عباس إباحة المتعة، وروي عنه الرجوع بأسانيد ضعيفة، وإجازة المتعة عنه أصح، وهو مذهب الشيعة. هـ
قلت: بل مذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته، تركه علماؤنا لما صار شعارا شيعيا، فآن أن نسترجعه لأنه دين.
ـــ أرجو من السيد بولوز أن ينظر بعين الباحث الموضوعي المتواضع فيما قلناه، وأقترح على فضيلته مناظرة علمية علنية.
وأقول له مطمئنا إنك أمام باحث سني راسخ القدم، وهل يخشى إعلان تشيعه من يتجرأ على طرح موضوع المتعة في ظرفية تاريخية حساسة يا سيد بولوز ؟ إنني ترددت كثيرا قبل نشر الموضوع، نظرا لخصومتنا السياسية مع الشيعة في أكثر من موطن، وانتظرت أن تتوقف هذه الحروب والمعارك بيننا وبينهم، حتى لا أتهم بالتشيع ومخالفة الإجماع، لكنها طالت حتى نظن أنها مستحيلة التوقف.
والحقيقة العلمية لا ينبغي أن تحاصرها الأحداث والوقائع، وما استمر تعصب كل فريق لمذهبه غثه وسمينه إلا لاستمرارية الصراعات الطائفية بين المسلمين.
فهل نوقف البحث أم نمضي غير عابئين بصراعات الساسة؟
واعلم هداك الله وهداني أن منهجيتي أخطر على الشيعة وأشد صلابة من منهجيتك القائمة على العناد والصياح والمكابرة ، فالشيعة يسهل عليهم نسف مواقف المعاندين وفضحهم أمام القراء ، أما أن يقول رجل حقير مثلي : إن المتعة مباحة بكتاب الله وسنة رسول الله وفتاوى جماهير الصحابة والتابعين، ويحصن بذلك أساس مذهبه ومصدره ، فهيهات يقدر متشيع على تسور محرابه .وإن كنت يا سيد بولوز متشككا في صدقي ، فأنا أقسم لك أيها القاضي العادل بالله ربي أنني سني أكثر منك، وإن شئت فأنا أعلن تسنني على يدك.هذا، ووالله ليس للعبد الفقير الآن أي انتماء تنظيمي أو حزبي أو حركي ، فهو مستقل حر طليق في فضاء الفكر والمعرفة ، يرجو أن يكون على علاقة طيبة بكل المسلمين فرادى وجماعات ، وهمه وحدة الأمة ونهضتها .أقول هذا مع عميق الاعتذار لكل الأحبة أهل الله الذين جالسناهم يوما في الله.
ولا أريد أن تكون مواقفي وآرائي محسوبة على أي جهة، ولا سببا في إذاية أي مجموعة مؤمنة، فأنا مستقل منذ زمان حتى أتحرر من كل سلطة تعوق أبحاثي التي أسأل الله أن يبارك لي فيها.وأخيرا، أختم بهذين الأثرين الصحيحين، الذين لهما صلة قوية بموضوعنا، ليتعلم الأستاذ بولوز وغيره، أن الفاصل بيننا قال الله قال رسوله، لا قال فلان أو علان مهما كان، حاشا الصحابة أولي العلم والبيان:
روى أحمد وغيره عن سالم قال: سئل ابن عمر عن متعة الحج فأمر بها، فقيل له: إنك تخالف أباك، قال: إن أبي لم يقل الذي تقولون، إنما قال: أفردوا العمرة من الحج، أي أن العمرة لا تتم في شهور الحج إلا بهدي، وأراد أن يزار البيت في غير شهور الحج، فجعلتموها أنتم حراما وعاقبتم الناس عليها، وقد أحلها الله عز وجل وعمل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فإذا أكثروا عليه قال: أفكتاب الله عز وجل أحق أن يتبع أم عمر؟ في رواية: ويلكم ألا تتقون الله ان كان عمر نهى عن ذلك فيبتغى فيه الخير يلتمس به تمام العمرة فلم تحرمون ذلك وقد أحله الله وعمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أفرسول الله صلى الله عليه و سلم أحق أن تتبعوا سنته أم سنة عمر؟ إن عمر لم يقل لكم إن العمرة في أشهر الحج حرام، ولكنه قال: إن أتم العمرة أن تفردوها من أشهر الحج.
وروى إمامنا مالك عن محمد بن عبد الله بن الحارث بن عبد المطلب أنه سمع سعد بن أبي وقاص والضحاك بن قيس عام حج معاوية بن أبي سفيان، وهما يذكران التمتع بالعمرة إلى الحج، فقال الضحاك: لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله، فقال سعد: بئس ما قلت يا ابن أخي، فقال الضحاك: فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان ينهى عنها، فقال سعد: قد صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصنعناها معه.
فكن رجلا يا سيد بولوز وأجب على الأسئلة المركزية العالقة، ولا تشتغل بالجزئيات والهوامش الملحقة، وكن من أهل الصبر والمرحمة، جمعني الله بك في دار الدنيا أخا صديقا، وحشرني معك في الجنة رفيقا.اللهم علمنا وارزقنا الإخلاص والخلاص.
يتبـــــــع بإذن الله
-باحث متخصص في علوم الحديث

التوقيع :

إعرف الحق تعرف أهله
كتبي الإلكترونية على الميديا فاير :

http://www.yahosein.com/vb/showthread.php?t=226146

الرد مع إقتباس